Atwasat

وعن الصورة

منصور بوشناف الخميس 03 أكتوبر 2024, 03:04 مساء
منصور بوشناف

خُلق الإنسان مزودا بكل معدات التصوير والمونتاج وآلات العرض، تلك قدرات وأدوات منحها لنا الخالق لمواجهة تحديات الوجود والحياة، فما إن يفتح المولود عينيه حتى يشرع في التصوير وفتح ملفات التخزين وتأسيس أرشيفه المصور للحياة، تلك حقيقة قد لا ندركها ونحن ننهمك في التصوير وفي المونتاج وبالتأكيد في إخفاء بعض الصور وبعض المشاهد التي قمنا بتصويرها.

لقد كانت الصورة وفعل التصوير والأرشيف المصور للطبيعة والكائنات المصاحبة والمهددة للإنسان في وجوده، إحدى القدرات المهمة التي زود الخالق بها الكائن الحي ليتفاعل مع محيطه، ويدرك ما حوله ويفهمه ليكوّن تصورا عن هذا المحيط بكل تفاصيله وكل ذلك للاستفادة من مفيدها وتجنب مخاطر خطيرها، إن التصوير والصورة كانت ولا تزال «سلاح البقاء» المهم للكائن الحي على وجه هذه البسيطة المعقدة.

كانت صور المحيط والمخاوف والأحلام تصنع وتعرض لمنتجها أحلاما تأخذ شكل ما نعرفه الآن من أفلام متحركة وناطقة، بعضها بالتأكيد مسلٍ ومهدئ لذلك الآدمي المتوجس والخائف مما يحيط به من غابات وحيوانات مفترسة وبعضها مرعب ومثير لكل مخاوف ذلك المحاصر الأعزل كان الإنسان يعيش ولآلاف السنين تحت سلطة أفلام أحلامه وكوابيسه تحت سلطة الصورة القاسية والمرعبة والمثيرة للهلع والمخاوف.

الإنسان ومع اكتشاف قدرته على استخدام أدوات غير جسده كالحجر ثم النار والماء بدأ يحفر أو يرقش على جدران كهفه بالحجر صورا لمحيطه ولمخاوفه لتبدأ رحلة الحضارة الإنسانية تصويرا للحيوانات المتوحشة.

يقول روجيه دوبريه: «تنبثق الصورة قبل حوالي الثلاثين ألف سنة قبل الميلاد، إبان العصر الحجري الأول الموحش والجاف في نقطة تلاقٍ بين الهلع وبداية التقنية وطالما كان الفزع أقوى من وسائل التقنية وأدواتها كانت الغلبة للسحر وإسقاطاته المرئية التي تبرز عبر الوثن» 1

الصورة التي بدأ الإنسان يرسمها تمثل إلى جانبها المعرفي «أعني دراسة تكوين وحوش المحيط الحقيقية» أيضا وحوش الأحلام والكوابيس، كوابيس ما تصوره من تهديد بافتراسها له وأحلام بأن يكون المهاجم أو الصياد والمفترس لها.

إن الفن، وهنا أعني التصوير، «يتأمل الموت ليصنع الحياة» كما يقول بوريس باسترناك، منذ رعب الإنسان الأول وحتى رعبه الحديث.

التصوير في بداياته «على الحجر وبالحجر» كان أحد مداخل عوالم السحر فبتصوير الوحش سعى الإنسان إذ ذاك لتجميده أو «رصده» كما يسمى التجميد بلغة السحر إلى وقت قريب والسيطرة عليه وجعله طيعا وخاضعا لإرادة الرسام أو المصور، إن الصورة تمثل إلى جانب الفأس الحجري أول وأحد أهم أسلحة الإنسان القديم في معركته من أجل البقاء، فبالصورة تجرى دراسة نقاط القوة والضعف عمليا وبالصورة أيضا تجرى عملية السيطرة السحرية «النفسية» على الوحش لقتله ليكون الفريسة بدل المفترس.

إن الإنسان ومع أول صورة رقشها بحجر على جدار كهف لا يتحرر من بعض سلطة مخاوفه ورعبه من محيطه فقط بل يتحرر قليلا من سلطة الصورة فهو يرصدها أيضا ويجعلها ثابتة على جدار بعد أن كانت وقبل أن يتعلم فن التصوير باليد والحجر متحركة وحية في أحلامه وكوابيسه تضج بالأصوات وتفوح منها روائح الموت تتحول في الصورة التي يرسمها هو إلى وحوش مستسلمة وصامتة ولا محالة ميتة.

إذن باكتشاف الرسم وبدء ممارسته يخرج الإنسان من قرون سلطة الصورة المتحركة والضاجة في أحلامه وكوابيسه إلى بداية سلطته هو على الصورة واستخدامها كسلاح معرفي وسحري من أجل البقاء.
الصورة صارت أداة للإنسان للسيطرة على الواقع، لفهمه من أجل تغييره ليناسب ويلبي طموحات الإنسان ويحقق أحلامه، وليست الأحلام إلا صورا ثابتة ومتحركة ينتجها خيال الإنسان وفقا لأحلامه وطموحاته.

في هذا العصر الذي نسميه «عصر الصورة» تصبح الصورة سلاحا مهما في حروب الإنسان ضد أعدائه، فقد تكون الصورة أقوى وأخطر من المدفع، وقد يكون التقرير الصحفي المصور والفيلم أخطر وأقوى أسلحة الدفاع والهجوم للشعوب والأمم في دفاعها عن وجودها ضد الغزاة والمحتلين.

الصورة لم تعد صورة للواقع كما كان يطمح الإعلام والصحافة المدافعة عن الحقيقة، بل صارت هي «الحقيقة» وإن اختلفت وناقضت الواقع.

في حرب غزة وحرب لبنان تمكنت المقاومة من كسب هذا السلاح واستخدامه بفعالية أفضل مما كان لصالح قضيتها، فأظهرت عبر الصورة فاشية وعنصرية عدوها والأكثر أهمية أنها أظهرت بالصورة والصوت وعلى الهواء مباشرة «هذا الذي احتفظ بصورة من لا يهزم» وهو يهزم ويتخبط وتتشوش صورته أمام العالم وأنصاره.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»