المندوب السامي بمثابة الممثل الشخصي للحكومة ورئيس وزائها في بلد تحت الانتداب أو الوصاية التابعة له، حيث تضع تحت تصرفه كل أجهزة الدولة الأمنية، والاقتصادية، وإدارة شؤونها السياسية في الداخل والتمثيل لها في الخارج، باعتبارها دولة تحت الانتداب، أو الوصاية، وهذه مهام تختلف كلياً عن مهام السفير في عصرنا الحالي، الذي لا تلزمه بالضرورة تحمل مسؤولية اتخاذ قرارات سياسية ليست من اختصاصه، بل ليس من مهامه أن يتجرأ على اتخاذ مواقف سياسية، إلا بالرجوع إلى بلده للتنسيق.
وبموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدولية القنصلية، التي تنظم الإجراءات والأطر للعلاقات القنصلية بين الدول ذات السيادة، تصبح بمثابة معاهدة تحدد الأعراف والممارسات بعد تقنينها وفق الاتفاقات التي نشأت بين الدول في شكلها الثنائي والكلي عبر الأزمان المتواترة.. والتي أوردت في بنودها عديد الإيضاحات المتفق عليها بين الدول كافة، والخاصة بالوظائف والحقوق والحصانات الممنوحة للموظفين القنصليين ومكاتبهم، كما احتفظت للدول المستقبلة بالحقوق والواجبات كذلك.
وعملًا بالمادة التاسعة من اتفاقية فيينا التي تنص على اللوائح المعمول بها في العلاقات الدولية، والمادة الثالثة والعشرين التي تنظم الشؤون القنصلية... يحق لأي دولة بلا حاجة إلى تبرير قرارها إعلان أي سفير على أراضيها شخصاً غير مرغوب فيه... وقد تضطر دولة ما إلى اللجوء إلى مثل هذه القرارات، إذا ما تحسست من السفير أو القنصل الموفد إليها تحركات مشبوهة كالتجسس مثلًا، أو التدخل في الشؤون الداخلية، أو الإدلاء بتصريحات غير ودية، ناهيك عن القيام بأعمال إجرامية مخطط لها بمباركة دولته.
وعطفاً على ما تقدم فإن ما يجري في ليبيا الآن من خروقات قانونية مرتبطة بالعمل الدبلوماسي وقواعده وفق الاتفاقات الدولية، والقوانيين والأعراف الدولية المنظمة للعلاقات والعهود والوثائق الدولية التي تدعم بناء جسور الود والتعاون بين الدول وربط علاقاتها على أساس الاحترام المتبادل، وحسن الجوار، والمصالح المشتركة فيما بينها، دون تدخل في الشأن الداخلي تحت أي ظرف.
إلا أنه لوحظ وبشكل علني ومفضوح، تحرك السفراء بكل أريحية، وكأنهم أوصياء على الأراضي الليبية، التي يرونها بحسب حشريتهم على أنها دولة ناقصة السيادة، دون تحرج، أو ريبة، مخترقين بذلك كل القوانين والقواعد والأسس المتفق عليها بحسب اتفاقية فيينا وما رشح عنها من بروتوكولات ملزمة لكل الدول الموقعة والمنضوية تحت جمعية الأمم المتحدة والتي من بينها ليبيا كعضو فعلي، لتؤكد هذه الجمعية على الدور الأساس للمعاهدات في تاريخ العلاقات الدولية تقديراً منها واعترافاً بأهمية المعاهدات باعتبارها أحد مصادر القانون الدولي، وطريقة مثلى لتحسين التعاون السلمي بين الدول، بغض النظر عن دساتيرها ونظمها الاجتماعية، كما أكدت في جل مواثيقها وعهودها واتفاقاتها المبرمة في عديد اللقاءات والمؤتمرات الدولية ومنظماتها ذات الخصوصية، المنبثقة عنها في تطوير وبناء العلاقات الدولية على مبادئ حرية الإرادة، وحسن النية، وتثبيت قاعدة العقد شريعة المتعاقدين، واعتبار النزاعات الداخلية شأناً داخلياً، لا يحق لأحد التدخل أو التهديد بفرض القوة.
ونظراً لضعف موقفنا الدولي، والنزاعات غير المبررة بالداخل، والصراع على السلطة وأخواتها، وإذكاء روح الفتنة واستشرائها بين الليبيين بدواعي التهميش والاستئثار من جهة دون أخرى، وعودة الدور القبلي بقوة، واستدعاء التراكمات التي من المفترض أنه قد تجاوزها الزمن والتاريخ، واللعب على الجغرافيا وثروات البلاد من نفط وغاز وما تطمره الأرض من معادن وغيرها مكانياً، ناهيك عن عجزنا التام لمجارات الدول دبلوماسياً وفق تداعيات المرحلة وفن إدارة الأزمة باقتدار ومهنية بما يتطلب أن تكون عليه الأمور في سياقها الأمثل بالحكمة وحسن التدبر.
كل ماسبق ذكره يعد قليلاً من كثير، من ترسيخ مبدأ الخضوع والتبعية والارتهان لحاجة الغير لمد يد المساعدة والاستشارة والتخطيط لطريق خلاصنا، وفق خرائطهم جاهزة الطلب، عديمة الجدوى.. الأمر الذي كان سبباً في المساهمة في جلب الأجنبي والركون له، ولحلوله كمنقذ وصديق معين، الفرصة التي كانت الحلم لتكالب الطامعين في الاستحواذ على مقدرات الدولة وخيراتها، والتنافس المحموم على فرض الإرادة والغلبة لمزيد من المكاسب والتنفذ.
لذا ترى السفير والمبعوث الشخصي وكل ذي بشرة صفراء فاقع لونها، يجول ويصول في مرابعنا ودروبنا، كاشفاً لعوراتنا، ناقلاً لأسرارنا، ويعد العدة للإجهاز علينا، متحكماً في خياراتنا، مستخدماً القوة القاهرة كل ما اقتضت الحاجة.
ونحن نزغرد ونولول ببهجة وسرور كلما حل أحدهم بالديار، نقيم الولائم، ونذبح الذبائح، ونستبشر بقدومهم، وكأن القدر قد ساقهم لنا بريح طيب كغيث نافع، وسد منيع... نفرح لدوي رعودهم، ووميض برقهم، ونتعجب لألوانهم القُزحية العاكسة لضوء الشمس، كمصدر نراه تحت الأفق، وننتظر الزرع، لنجني الثمار...
ما زالت ثقافة التبعية سائدة، وصداقة الأجنبي كنزاً، وما زالت ذهنية ساستنا الذين فرطوا في كرامتهم ومن ثم الوطن ماثلة لتقديس الخواجة!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات