Atwasat

سفينة الحمقى

عمر الكدي الإثنين 30 سبتمبر 2024, 06:03 مساء
عمر الكدي

لا وجود حقيقيا يستند على وثائق لسفينة الحمقى التي ذكرها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، وهذا لا يقلل من أهمية الكتاب الذي غاص فيه فوكو في تاريخ السلطة ومؤسساتها العقابية، ولكن سفينة الحمقى ظهرت في عدة أعمال فنية أشارت بشكل موارب إلى وجود مثل هذه السفن، أولها قصيدة للشاعر الألماني سيباستيان برانت العام 1494م قبل 20 عاما من الإصلاح الديني، ولوحة رسمها الفنان الهولندي هيرونيموس بوش العام 1500م لا تزال معروضة بمتحف اللوفر، كما صدرت قصائد أخرى ومسرحيات تستلهم الفكرة نفسها لا مجال هنا لذكرها جميعا.

يؤكد فوكو في كتابه المذكور أن السلطات قررت التخلص من المجذومين، فحملتهم في سفينة جابت بهم الأنهار والبحار، وهكذا قللت من فرص انتقال العدوى لبقية المجتمع، وبعد أن تخلصت من المجذومين قررت التخلص من المجانين بنفس الطريقة. في ذلك الوقت كانت أوروبا تمر بأسوأ فترات تاريخها إذا قارنا بينها وبين العالم الإسلامي، الذي تأسس فيه أول مستشفى للأمراض النفسية في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك العام 770م في دمشق، وفي المغرب أنشأ السلطان يوسف بن يعقوب العام 1286 مارستان سيدي فرج للأمراض النفسية، بينما أنشيء مستشفى بيثلام الملكي العام 1247 في لندن.

سواء في العالم الإسلامي أو الأوروبي كان الغرض من تأسيس هذه المستشفيات هو العزل وليس العلاج، لأن وجود مجنون واحد في الشارع يهدد السلطة، فالمجنون يقول ما يشاء في حق الحاكم وفي حق من يحرسون الحاكم من عسكر وقساوسة وفقهاء، ولهذا وجب عزل المجنون في مكان مغلق، ومع ذلك تعاملت المجتمعات الإسلامية مع الحمقى والمجانين بطريقة أكثر إنسانية من الأوروبيين، ففي قرانا وحتى وقت قريب كان لا بد من وجود مجنون القرية، الذي يمثل حضوره خرقا للسلوك العام وللقناعات الراسخة، وفي بعض الأوقات يصبح مصدرا للنبوءات والتوقعات بل والحكمة، ولهذا تقول العرب «خذ الحكمة من أفواه المجانين»، ووجود المجنون في هذه المجتمعات مقبول طالما لم يصدر عنه أي تصرف عنيف يؤذي الغير، عندها يردد الليبيون «المجنون يكتفوه أهله».

على عكس الأوروبيين في عصور ظلامهم، اهتم المفكرون الإسلاميون بظاهرة الجنون ودرسوها لأسباب مختلفة، وكان السبق للمعتزلة الذين مجدوا العقل، ولذلك وجدوا في الحمقى والمجانين مادة خصبة للدراسة والتأمل، وللأسف لم يصلنا كتاب الجاحظ عن المجانين، وإن وصلتنا الكثير من القصص عن حمق معلمي الصبيان كان الجاحظ شاهدا عليها بنفسه. لماذا اختار الجاحظ هذه الفئة من المعلمين؟ ربما لأنهم اللبنة الأولى في النظام التعليمي الذي يعتمد على الحفظ والتلقين وليس التفكير، ومع ذلك فلفرج بن الجوزي كتاب بعنوان «أخبار الحمقى والمغفلين»، على الرغم من أن ابن الجوزي فقيه حنبلي ومن الحفاظ الكبار في عصره، ولكن الهدف من كتابه يختلف عن هدف الجاحظ وبقية المعتزلة، فهو يتوخى خدمة الحاكم بتسفيه المجانين، فهو يؤمن بعدم جدوى علاج المجنون، مستشهدا في كتابه ببيت شعر يقول «لكل داء دواء يستطب به. إلا الحماقة أعيت من يداويها».

وقبل ذلك توسع العرب في تعريف المجنون، حتى شمل الشعراء وخاصة العذريين مثل مجنون ليلى، وللعرب أسماء كثيرة للحمقى والمجانين أوردها ابن الجوزي في كتابه، ذكرتني بحوار جرى بين صديقين أحدهما ليبي والآخر مصري، وبعد أن اشتكى المصري من صديق مشترك، قال له الليبي «خليك منه هذا متجقجق»، فقال المصري «إيه يعني متجقجق»، فقال الليبي «يعني مزبندي»، فقال المصري «إيه يعني مزبندي»، فقال الليبي «يعني «مترنبي»، فقال المصري «إيه معناها مترنبي»، فقال الليبي «يعني متخوخم، وعندما وجد المصري غير فاهم، قال له يعني «متروشق»، ثم قال له «يعني واخذ وعاطي»، فقال المصري ومعناها إيه واخذ وعاطي، فقال الليبي «معناها مهبول»، فقال المصري «ما تقول عبيط ومجنون».

في نهاية السبعينيات وبعد سجن كتاب جريدة الأسبوع الثقافي، فتح بعض الكتاب الليبيين ملفات في مستشفى قرقارش للأمراض النفسية تحسبا لاعتقالهم. ذات مرة ذهب منهما اثنان لاستلام أدويتهما من المستشفى، وبعد خروجهما تناول أحدهما حبة، فسأله الثاني عن تأثيرها، فرد عليه قائلا «أرى نصف طرابلس مهدمة»، فقال له الثاني خذ حبة أخرى، وسمعت قصة عن مريض كان نزيلا بالمستشفى، وكان يراقب الشارع من فوق السور، عندما رأى سائق سيارة اضطر للتوقف لأن براغي إحدى العجلات سقطت في الطريق، وكان يبحث عنها دون جدوى، فقال له نزيل المستشفى «فك برغي من كل عجلة وركبها بدل المفقودة إلى أن تشتري براغي جديدة»، وفعلا طبق السائق الفكرة ثم سأل النزيل أنت ليه في مستشفى المجانين؟، فقال له من العقلاء أمثالك.

ليبيا اليوم هي مستشفى مجانين بكل ما تعنيه الكلمة، ولن نجد الوقت مثل الجاحظ وابن الجوزي للكتابة عن الحمقى فيها، فكل ما تنقله وكالات الأنباء والقنوات الفضائية يؤكد ذلك، ليس ليبيا فقط بل معظم البلدان العربية، وليس من حل لها إلا بإعادة استخدام سفينة الحمقى، بحيث يتم شحن جميع المسؤولين في الغرب والشرق والجنوب، وتكليف المهربين على الساحل الليبي بإرسالهم نحو البحر مجانا، وأنا على يقين لو استبدلنا جميع أعضاء المجالس التشريعية والتنفيذية المنتخبين وغير المنتخبين بنزلاء مستشفيات المجانين، لكان الوضع أفضل من هذا البيمارستان الذي اسمه دولة ليبيا.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»