Atwasat

الحتمية الاجتماعية وطنجرة القذافي

سالم العوكلي الثلاثاء 17 سبتمبر 2024, 11:41 صباحا
سالم العوكلي

أحببت دائما متابعة كتابات الصديق عمر الكدي النثرية والشعرية، بما فيها من أسلوب سرد جميل يظهر حتى في المقالة الصحفية، أو التقاطات حاذقة في قصائده الشعرية التي كانت في الغالب تعتمد السرد والمفارقة والحس الساخر كجزء من جمالياتها، ومقالته الأخيرة «الدولة الحديثة والعصبية»، المنشورة بـ«بوابة الوسط»، لا تخرج عن هذا السياق المغري للقراءة والنقاش، والمشاكسة أيضاً، خصوصاً وهي تجيء في سياق جدال غير مباشر وخجول حول ظاهرة العصبية التي أثارها الصديق منصور بوشناف في مقالته «عصبيات»، المنشورة بـ«بوابة الوسط».

في ختام مقالته، يذكر الكدي دون أن يكون واثقاً عبر استهلاله هذه الفكرة بمفردة «ربما»، وفي سياق حديثه عن إمكانية التوافق بين البادية والمدينة: «ربما سهل علينا القذافي هذا التوافق، فعهده يمكن اختصاره ببدونة المدن وتمدين البوادي، وهو ما يقلل ما أطلق عليه الصديق سالم العوكلي في مقاله عن العصبية بـ«الوصمة». ما الفرق بين ابن المدينة وابن البادية اليوم في ليبيا؟ تقريبا لا يوجد فرق، وهذا بفضل القذافي الذي لم يكن يعلم أنه وضعنا جميعًا في طنجرة ضغط، وجلس في خيمته ينتظر الطبخة، فاحترق كل شيء».

وهنا بشكل لم أفهمه يحيل الكدي امحاء الفروق بين ابن المدينة وابن البادية إلى منجز من منجزات القذافي، وبقدر ما في هذا التخريج من روح تهكم اشتهر بها الصديق عمر، إلا أن ما يحزنني أن يكون القذافي مركز كل شيء حدث، ووراء كل متغير، حتى وإن كان مرتبطاً بطبيعة الزمن والتطور الإنساني والسير قدماً. وربما إسباغ هذه الصفات الإلهية على القذافي هو ما جعل الكثير من الغوغاء تؤلهه، وما زالت حتى الآن، ما دام هو قادرا بضغطة زر على أن يبدون المدن العريقة ويمدن الأرياف التعيسة، وما دام هو قادرا على أن يضع مجتمعا برمته في طنجرة ضغط ويطبخه.

وما تطرقت له في كتابات سابقة عن تقلص الفارق بين المدني والريفي أوردته كظاهرة كونية، وليست محلية فقط، وإلى ما حدث في العالم من متغيرات هائلة فيما يخص انسياب المعرفة والثورة التقنية والمعلوماتية، التي هي نفسها التي أطاحت بالقذافي ونظامه، وهو أمر معقد ومركب، نقل الاهتمام بالإنسانيات من إطار المعرفة إلى إطار العلم، بل العلم التجريبي، مثل علوم: الطبيعة البشرية، والاقتصاد، وسوسيولوجيا التكنولوجيا، وثمة علم حديث يسمى «علم اجتماع الإنترنت»، ولا يمكن أن يختزل بهذه البساطة في «طنجرة القذافي».

وسأعتبر تشخيص صديقي عمر ضمن ولعه بالمفارقة والسخرية، لكن لا يمكن أن نبني رأياً حيال مسائل اجتماعية وحضارية معقدة اعتماداً على روح المفارقة أو الفكاهة، خصوصاً إذا كان هذا الرأي يتعلق بمسألة التوافق التي شدد عليها المقال.

من جانب آخر، يشير الصديق الكدي في الاقتباس المذكور إلى أن ما حدث من بدونة المدن وتمدين البوادي يقلل ما أطلق عليه الصديق سالم العوكلي في مقاله عن العصبية بـ«الوصمة»، والمفارق أن هذا الاستنتاج نفسه يؤكد ويكثف مبدأ الوصمة الذي أشرت إليه، ولا يقلل منها، فهي هنا لم تعد مرتبطة بظروف تاريخية أو اجتماعية، بل مرتبطة بشخص (في الغالب مكروه)، فحتى تطور البدوي، الذي أسهمت فيه عوامل عدة، سيعتبر من إنجازات القذافي السيئة.

وهذا يؤكد ما سبق أن ذكرته عن أن بعض الكتابات الليبية التي تكيل الهجاء للبداوة وللقرى منطلقها الصدفة التاريخية، التي جعلت من دكتاتور ليبيا من أصول بدوية، وكأنها ردة فعل على هجاء القذافي المقيت والمرَضي للمدينة في سياق مديحه الساذج للقرية، وهو منطلق تحكمه العاطفة، ولا تخدمه شواهد التاريخ ولا الجغرافيا إذا ما جردنا تاريخ طغاة العالم، فللنظم الدكتاتورية جوهر واحد على مر الأزمنة والأمكنة، لأنها تنطلق من نزعة إنسانية قديمة تتعلق بفكرة السلطة والهيمنة (التي لم يضع لها حدا سوى الترقي الإنساني وابتكار العقد الاجتماعي الذي أشار إليه عمر في مقالته)، ولا ترتبط بعلم الجينات بأي شكل من الأشكال، أو بطبيعة فئة من الناس يجعلها قدرها الجيني أو طريقة عيشها مسؤولة عن كل استبداد.

كنا نقرأ كتبا عن دكتاتوريات نشأت في قلب حضارات عريقة، في أوروبا أو أمريكا الجنوبية أو آسيا، شبيهة في أساليب القمع تماماً بما كان يحدث عندنا، وكنا نتبادل تلك الكتب من أجل هذا التشابه خصوصاً، ومن فترة قريبة قرأت كتاب مذكرات الألبانية لينا يبي عن أوضاع ألبانيا فترة نظام أنور خوجة، سليل الطبقة الكمبرادورية المدنية، وكان التشابه لا يصدق، وفي كل التفاصيل. لم يربط أحد تلك الدكتاتوريات الشرسة بنوع من الناس أو ضرب من الأنثروبولوجيا أو العِرق الذي يهندسها. وقد واجه كتاب جوستاف لوبون «سيكولوجية الجماهير»، الذي صدر قبل نحو قرن وربع القرن، هجوماً في وقته ولاحقا، لأنه ربط القيم الإنسانية بالأعراق والأقدار الجينية، معتبرا أن ثمة جينات بشرية لا يمكنها أن تكون قابلة للحوار والتحضر والتمدن، وبالتالي غير قابلة لتطبيق النظم الديمقراطية.

من كل هذا التاريخ الذي وصفه عمر، وطبيعة الصراعات التي يمكن أن نجدها في تاريخ كل أمة، فإيطاليا كانت ممالك سلالية تتصارع قبل توحيدها، وكذلك ألمانيا وهولندا وغيرها، ما يعنيني من كل هذا هو الخوف أو الحذر من تحويل هذا الماضي إلى مصدر إلهام للحاضر والمستقبل، أو الوقوع في كمين الحتمية التاريخية في حالات الحدوس بالمصير غير المسيطر عليه، ومن تقسيم البشر إلى فئات وفق طريقة حياتهم أو ألوانهم أو مواقعهم الجغرافية، وهي تقسيمات طبيعية في علوم الاجتماع والأنثربولوجيا، لكنها مقلقة حين تصبح منهجاً للتمييز بين البشر، وتحويلها إلى نوع من التراتبية القيمية بدل أن تكون اختلافات وخصائص، بل تحديد القدرات من خلالها. ما يعنيني هو الخوف من أن يتحول الاختلاف إلى وصمة لا دور لها سوى الحث على مزيد من الاستقطاب.

يقول عمر في مكان آخر: حتى ما أشار إليه بوشناف بالطبقة الكمبرادورية من سكان المدن، فالريفيون والبدو هم من يشكلون هذه الطبقة اليوم. أما سكان المدن الأصليون فقد تحولوا إلى أكثر الطبقات بؤسًا في المجتمع الليبي، فهم دائماً من يدفع الثمن، وفي أفضل الأحوال يعملون للحكام البدو والريفيين كـ«عوالة». هل هذا حقيقي؟ وهل يتحدث عن ليبيا كما نعرفها في العقود الماضية؟ ولن أتوقف عند صفة «الأصليون» المقلقة، ولكن إذا كان المقصود بالطبقة الكمبرادورية، كما في قاموس المصطلحات، الطبقة البرجوازية التي سرعان ما تتحالف مع رأس المال الأجنبي تحقيقاً لمصالحها، والاستيلاء على السوق الوطنية، والكلمة المضادة لها هي القومية أو الوطنية، فإن ضربها في ليبيا كان نتاج توجه أيديولوجي، وفي سياق حمى جارفة من التحالف بين القومية والاشتراكية التي سبق أن ضربتْها في مصر ودول أخرى، ولا علاقة للبدو بها، وهي تُحارَب الآن بالطريقة نفسها في الولايات المتحدة من أجل تحرير الرأسمال الأمريكي من ارتباطه بالعدوة الصين (وكانت هذه حرب ترامب الرئيسية).

طبعاً ما أعرفه عن ليبيا هو تشكل طبقة برجوازية وطنية ناشئة وطرية ضُربت في ظل التوجه الاشتراكي المتخلف، وقوانين التأميم للقطاع الخاص، وأيضا لا علاقة لها بالبدو ولا البداوة، وما حلت محلها طبقة من السماسرة والمضاربين والانتهازيين وأثرياء الولاء أو الأزمات من كل شرائح المجتمع الليبي، والمتضررون أيضا كانوا من كل شرائح المجتمع الليبي.

ومثلما أحاط النظام السابق نفسه بأعيان مدن وقبائل، ومفكرين ومثقفين وفنانين في خدمته، يذكر الكاتب والدبلوماسي عبد الرحمن شلقم في كتابه «رجال حول القذافي» أنه كان يحيط نفسه بحلقات ضيقة من المهمشين ضحايا الاضطهاد الاجتماعي أو الاقتصادي من المدن والأرياف، ليكونوا دائماً طوع أمره، وهذا حال حركة اللجان الثورية كتنظيم لا يمكن حصره في جهة ولا قبيلة ولا في فئة اجتماعية محددة، بل كانت تشمل حتى مواطنين من كل القارات، أظهروا من باب الانتهازية إيمانهم بأفكار القايد.

المدن الحقيقية لا تُهزم، وطرابلس الألفية الثالثة هي أكثر مدنية من طرابلس قبل عقود، على الرغم من كل محاولات التجريف التي تعرضت لها ليبيا كلها، لأن حياة البشر النابضة والحالمة لا يمكن أن تُختزل في المنظور السياسي فقط، ولا في شخص الدكتاتور، والمدينة ليست جيتو، لكنها مكان مشرع يزدهر فيه كل شيء وكل تنوع، خصوصاً حين تكون عاصمة.

يقول الفيلسوف والمؤرخ ويل ديورانت في موسوعته «قصة الحضارة»: «إن المدنية تبدأ في كوخ الفلاح، ولكنها لا تزدهر إلا في المدن». وديورانت، الذي لم يقصر التمدن على فئة دون أخرى، فالمدن، كما يقر، نشأت في كل القارات وكل البيئات، يؤكد أن المدنية ليست الصورة الأولى للحضارة، فالزراعة هي أول صورة لها، وترتبط بالثقافة كارتباط المدينة بالثقافة المتمدنة، لذلك فتعبير «ترييف المدينة» يعاني خللا منطقيا بنيويا. أما العلاقة التكاملية السوية، أو ما سماه الكدي «التوافق»، فهي التي قامت عليها الحضارات الكبرى.

الدولة الحديثة، التي هي حلم الشاعر عمر الكدي وحلمنا جميعاً، نتاج للحداثة التي تمت في كل المجالات، وفي كل قطاعات الأنشطة البشرية، وأهم إنجازات الحداثة هي تأكيد الفردانية (بمفهومها الفلسفي)، والذات المستقلة قانوناً التي تجاوزت تقسيم البشر ككتل صماء أو جماهير أو سلالات.

وحين ننتقل للحديث عن الأفراد، فإننا سنجد أنفسنا في منطقة أخرى للتفكير تنأى بنا عن فكرة الأقدار الجينية أو القطعان البشرية أو الحتمية التاريخية (التي في حالتنا الحتمية الاجتماعية)، أو إخضاع هؤلاء الأفراد لمبدأ الوصمة وفق ظروف لم يختاروها، مثل لونهم أو مذهبهم أو وضعهم الاقتصادي أو مكان ميلادهم، ليستبد بنا هذا الهاجس إلى تصنيفهم، كما نصنف المعادن، «أصليون» وغير أصليين.
وللحديث بقية ما دام الصديق عمر يستفزني بكتاباته التي أحبها، حتى وأنا مختلف مع بعضها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»