Atwasat

كرمة يابسة عجفاء في مدينة عجوز! (2-1 )

أحمد الفيتوري الثلاثاء 27 أغسطس 2024, 03:41 مساء
أحمد الفيتوري

سيرتي الصحفية هي سيرتي الشخصية، هي حبي الذي تخطى كل عقبة ولو على عكاز، وبالتالي هي سيرة الصحافة الليبية التي تغص بها البلاد، التي لم تبلعها ولم تزدرها، وما مكرورها هو أيضا مكرر سيرتي، بحيث يسأم المنصت لسارد هذه السيرة، التي كأنها تضاريس الصحاري، حيث الرمال تسفيها الريح، وحيث الريح تجعل من المشهد كما سراب، أو متتاليات يمسها شيطان الغموض. ومن هذا كل قارئ لهذه السيرة يظنها «خرافة أم بسيسي»، ما أولها كما آخرها في لازمة تتعدد، وتتعكز على عكاز واحد أحد، مفاده أنها سيرة مشوبة بالحسرة ومرادفاتها.

تعلقت بكرمة الصحافة كعنقود لم ينضج بعدْ، مطلع سبعينيات القرن المنصرم في مدينتي بنغازي، المحصورة بين بحرين، شمالها الماء وجنوبها الرمل، وأكمل مثلثها العسف، فلم يعد بها عندئذ جريدة واحدة، بعد تأميم الصحف، وإغلاق صحفها المميزة كـ «الحقيقة»، ما كانت قبل بارزة وسط أخواتها في العربية. المدينة التي تعج بالصحف، كمجلة «ليبيا المصورة»، التي صدرت في عقد ثلاثينيات القرن العشرين، باتت دون صحف، حينها كنت في باكورة العمر، كنا نصطف كي نحصل على عدد السبت من «الحقيقة» الأسبوعي، لنتمكن من نسخة، فنطالع مقالة كاتبنا المفضل نجم النجوم حينها «الصادق النيهوم».

تعلقت بكرمة يابسة عجفاء في مدينة عجوز، هرمت وجف عودها الصحفي، وقد أصابني وله أن أكون الصحفي، فشددت الرحال صوب العاصمة «طرابلس الغرب»، حيث الصحف المؤممة تصدر في وجلٍ، وقتها أي في العام 1971م تقريبا، تمكن الكاتب والباحث علي فهمي خشيم من إصدار «الأسبوع الثقافي»، وربما كانت أول جريدة عربية مختصة بالشأن الثقافي.

لما ولجت «طرابلس الغرب» العام 1975م، وكنت في العشرين من عمري، عملت بجريدة «الجهاد» التي حرص رئيس تحريرها الغشيم في الصحافة، والمخضرم في العسف، على سد الباب، واستبعادي بكل الطرق، عدت لبنغازي بخُفي الخيبة والخسارة، لكن كسبت صداقة «عبدالرحمن شلقم» من ساعتها كان عائدا من القاهرة، حيث درس الصحافة بجامعتها، ولم يطل مقامي حتى غدا الصديق رئيس التحرير بجريدة «الفجر الجديد»، التي تضم صفحة ثقافية كل سبت بإشراف الروائي إبراهيم الكوني، من حينها يقيم خارج البلاد وجاء في زيارة طويلة ثم غادر.

دعاني «الشاعر رجب الماجري» للسفر إلى «طرابلس الغرب»، للمشاركة في جلسات يعقدها كُتاب، من أجل الإعلان عن «اتحاد الكتاب والأُدباء الليبيين»، ما رغب النظام في تأسيسه على عجل، لأنه جرى دعوة «اتحاد الكتاب العرب» لعقد دورته المقبلة في البلاد، التي لم يكن بها اتحاد لكتابها. لحظتها أول العام 1976م، والدعوة لانعقاد «اتحاد الكتاب العرب»، تداول ثلة من الكتاب الشباب حينها، فكرة صفحة ثقافية مختصة بالكُتاب الشباب، من رفاق السفر القاص محمد المسلاتي، والشاعر محمد الفقيه صالح، والشاعر علي الرحيبي، والقاص عمر الككلي، وفي مساء جلساتنا، توجهنا إلى مكتب «عبدالرحمن شلقم» وقد رحب بالفكرة، وأفسح لي مجال تنفيذها وبأن أكون المشرف.

الصفحة الثقافية التي كانت بـ«الفجر الجديد» تحت عنوان «آفاق ثقافية» أضفت عليها «كتابات شابة»، وأول افتتاحية كتبتها: «كتابات شابة لا كُتاب شباب» بينت فيها أن الصفحة في مسارها المستحدث تهدف لكتابة جديدة، تتسم بالحيوية والجدة، وليس لفئة عمرية ما، منذ عددها الأول طرحنا عديد الأسماء الجديدة من كتاب السبعينيات، من أضافوا كتابة طازجة حيوية حداثوية سردية وشعرية، وكنا ننشر أيضا للأسماء الليبية والعربية المعروفة، وقد أثارت هذه الجماعة التي تكتب وتنشر في الصفحة قضايا ثقافية وفنية، فشكلت مسارا مميزا مما جعل السلطة وأتباعها يمارسون، منذ لحظتها الأولى، كل وسائل التشنيع والدلس لقمعها قبيل يناعتها، وسيسفر عن ذلك الزج بمجموعة من كتابها في السجن...

كنت في بنغازي العام 1976م وثلة من الزملاء نعد صفحة «آفاق ثقافية-كتابات شابة» مادة ورسومات وإخراجا على «الماكيت» الصحفي، مرفقا بالمادة «المبنطة» والخطوط الجاهزة، ونرسله بالطائرة من مطار المدينة «بنينا»، إلى رئيس التحرير «عبد الرحمن شلقم» -بطرابلس الغرب حيث مقر جريدة «الفجر الجديد»-، من يحيل المادة الصحفية للقسم الفني، وكل سبت تكون الصفحة بين يدي القراء.

كيف ومن فعل ذلك؟... جمع من شباب هواة دون أي مقابل، غير الكتابة وجماليات الكتابة والفن. عند عودتي من «طرابلس الغرب» زرت مدن البيضاء والقبة ودرنة، التقيت كتابا في بيوتهم لم أكن أعرفهم، جمعت كتابات ورسومات كما فعلت في «طرابلس الغرب»، و«بنغازي» التي فيها غدا القاص «عبد السلام شهاب» يطبع المادة على الآلة الكاتبة، في مكتب يعمل به لوقت إضافي للمحامين «حمد الدرسي وسميح الأطرش»، يخرج المادة ويخط الخطوط «عبد العزيز تاج» الفنان والمخرج الصحفي المصري، من ساعتها يعمل مدرسا بالمدينة، ما كانت حينها تعج بكتاب ومثقفين عرب مثل الشاعر محمد القيسي والكاتب سلطان حطاب والقاص محمود الريماوي والصحفي بكر عويضة، من فلسطين ومن مصر والسودان وإريتريا وسورية، وبعضهم شارك بالكتابة في الصفحة التي كانت ترفق النصوص برسومات لفنانين: محمد نجيب وفتح الله ربيع وكمال الجيلاني... وهلم.

لكن تأتي رياح تحرير الجريدة، بما لا تشتهي الروح الشابة المتمردة، لقد وضعت العصي في دواليب رئيس التحرير، حتى إن عددا من الصفحة لم ينشر، طلب الرئيس أن أكون في المطبخ لأذود عن الصفحة، رياح أعداء الثقافة والحداثة والشباب والنجاح فالحرية والحياة، وهل لشاب في مقتبل العمر من ملاذ في وجه عواصف كتلك؟



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»