Atwasat

الفصام الحضاري

عمر الكدي الإثنين 26 أغسطس 2024, 03:31 مساء
عمر الكدي

يعاني المسلمون والعرب من فصام حضاري يكاد لا نجد له نظيراً في العالم، حتى القبائل البدائية التي تعيش في غابات الأمازون لا تعاني هذا الداء، فهي منسجمة مع تصوراتها المتوارثة عن الكون ولم يذهب أطفالها إلى المدارس، ليصدموا بوجود تصور مختلف فيصابوا بهذا الفصام، أما في العالم الإسلامي فالتلميذ يذهب إلى الكتاب أو إلى الجامع، فيعرف أن هناك سبع سماوات وسبع أراضٍ، وأن الله خلق آدم وحواء من الطين، ثم يذهب إلى المدرسة والجامعة فيسمع خلاف ذلك، ولأنه سواء في الكتاب أو المدرسة يتلقى المعلومات عن طريق التلقين، فيحفظ النصوص كما هي دون تفكير. المهم أن ينجح في الامتحان سواء كان الامتحان هو الدخول إلى الجنة في الآخرة، أو الحصول على شهادة في هذه الدنيا تؤمن له وظيفة يعتاش منها. يتفق في هذا الذين تلقوا قدراً يسيراً من التعليم والذين حصلوا على شهادة الدكتوراة.

نظام التلقين والحفظ هو النظام التعليمي المعتمد لدى الفقيه، وحتى بعد اختراع الطباعة والثورة الرقمية التي تجتاح العالم، ما زال هذا النظام يعمل بفعالية في ديارنا، ففي ليبيا تفخر الأوقاف بأنها بلد المليون حافظ تضاعف في السنوات الأخيرة، وكأننا لا نزال في حروب الردة التي قتل فيها 500 من الحفاظ، مما جعل عمر بن الخطاب يعجل بجمع القرآن خوفاً من ضياعه، ولكننا اليوم يمكننا استدعاء أي سورة وأي آية بضغطة زر على هواتفنا المحمولة، ولم نهتم أبداً بفهم القرآن وتأويل نصوصه بما يتفق مع العلم وروح العصر الذي نعيش فيه، والنتيجة هو هذا الفصام الذي يجعلك تعيش في نفس اللحظة في عصرين مختلفين. عصر الشافعي وابن حنبل والبخاري والغزالي وابن تيمية، وهذا العصر الذي تقدم فيه العلم في السنوات الخمسين الأخيرة أكثر من العشرة آلاف سنة من عمر الحضارة.

عندما نلتفت إلى حضارتنا في عصرها الذهبي وندرسها بمناهج علمية حديثة، سنجد أنها زاخرة بالنموذجين. تعظيم العقل والفكر وتعظيم النقل والحفظ، وكانت النتيجة انتصار النموذج الثاني، فبعد المعتزلة والفلاسفة وإخوان الصفاء والمفكرين والمتصوفة الكبار أمثال ابن عربي والسهروردي والحلاج وجلال الدين الرومي، لم يبق إلا الفقهاء والمتصوفة على غرار تصوف الغزالي وأبي يزيد البسطامي، الذي انحدر فيما بعد للدروشة والشعوذة.

لم ندرك أن كل ما حدث في العصر العباسي هو لعبة سياسية، استخدم فيها الدين كما لا يزال يستخدم حتى الآن. كانت السلطة تخشى مثلما تخشى في كل زمان ومكان من العقل، فاستخدام العقل سيفقدها امتيازاتها في احتكار السلطة والثروة، باستثناء فترة المأمون الذي كان ناقماً على العرب وعلى الفقهاء الذين أيدوا أخاه محمد الأمين، فسمح للمعتزلة بالعمل ولكن في عصر القادر بالله انتهى كل شيء.

كان لا بد للسلطة من أن تحتوي هذا الزخم الفكري والعلمي في المجتمع، فشكلت جهازاً أيديولوجياً انتقته بعناية من كبار الأئمة والمفكرين، الذين درسوا كل ما كتبه وقاله أنصار العقل ليس لتطويره وإنما للقضاء عليه، وعندما ندرس سيرة البخاري والشافعي والغزالي مثلا، نجد أنهم عملوا بجد واجتهاد واستخدموا أرفع ما أنتجه العقل في عصرهم لحجب العقل، بالضبط مثل ثعبان يبتلع نفسه ابتداء من ذيله ولكن سينتهي بالرأس وهو مربط الفرس، فالبخاري وأبومسلم والترمذي وضعوا ما أطلق عليه بالصحيح، جمعوا فيه كل ما قاله الرسول بعد أكثر من قرنين من وفاته، وأهملوا أهم مصدر للعقيدة والشريعة وهو القرآن، ووجد الفقهاء منجماً لا ينضب للبرهنة على الشيء وضده حسب واقع الحال والظروف التي تمر بها السلطة، وتولى الشافعي وضع أصول الفقه الإسلامي بالطريقة نفسها.

ثم جاء الغزالي وقبله أبوالحسن الأشعري ليقضي على ما تبقى من عقل تلك الحضارة، فقسم العلوم إلى نافع يؤخذ منه على قدر الفائدة ويترك الباقي، وعلوم حرمها بالكامل لأنها تشكك المؤمنين في عقيدتهم. حتى التصوف الذي اعتمده الغزالي يختلف عن تصوف ابن عربي، الذي كان يرمي لتحرير العقل الإسلامي من أشكال الوصاية والسيطرة كافة، فتصوف الغزالي في كتبه «إحياء علوم الدين» و«المنقذ من الضلال»، هو تصوف انسحابي يحرض على السلبية في كل شيء، حتى في السعي والعمل والمعاش، حتى إنه نصح بعدم تناول الدواء عند المرض لأن ذلك يضاعف الثواب.

كان الهدف من هذا الجهاز الأيديولوجي ترويض وتطويع القطيع، فيرضى بما هو فيه بل ويشعر أن هذا الرضا يقربه من الله، الذي سيجازيه على صبره في الدنيا، وهو التصور نفسه في مصر القديمة التي أمضت أربعة آلاف سنة في الإعداد لليوم الآخر، ولم نرث من هذه الحضارة ما يعيننا في عصرنا الحالي، حتى لو عرفنا سر تحنيط المومياوات وبناء الأهرامات.

يقول أبوحامد الغزالي في كتابه «رسائل الحكمة»، «إذا قرأت العلم أو طالعته، ينبغي أن يكون علماً يصلح قلبك ويزكي نفسك، كما لو علمت أن عمرك ما يبقى غير أسبوع، فبالضرورة لا تشتغل فيها بعلم الفقه والخلاف والأصول والكلام وأمثالها، لأنك تعلم أن هذه العلوم لا تغنيك، بل تشتغل بمراقبة القلب، ومعرفة صفات النفس والإعراض عن علائق الدنيا، وتزكي نفسك عن الأخلاق الذميمة وتشتغل بمحبة الله تعالى وعبادته، والاتصاف بالأوصاف الحسنة، ولا يمر على العبد يوم وليلة إلا ويمكن أن يكون موته فيه».

ولنقارن ذلك بما قاله متصوف آخر نقمت عليه السلطة وهو محيي الدين بن عربي، «الحكم نتيجة الحكمة، والعلم نتيجة المعرفة، فمن لا حكمة له لا حكم له، ومن لا معرفة له لا علم له»، و«وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر»، «كل بقاء يكون بعده فناء لا يعول عليه، وكل فناء لا يعطي بقاء لا يعول عليه». الفرق بين الاثنين أن لغة الغزالي لغة بسيطة يفهمها العامة، أما لغة ابن عربي فهي لغة غامضة تصل أحياناً إلى حد الإبهام، لأنها موجهة إلى الخاصة ولأن الرقابة الصارمة للسلطة جعلته يبتكر هذه اللغة المراوغة، لدرجة أن البعض يصنفها بأنها تعبر عن أعلى درجات الإيمان، ويصنفها البعض الآخر بأنها تعبر عن أعلى درجات الكفر، بينما صنفها محمد عابد الجابري ضمن العقل العرفاني، وهي تنتمي للعقل البرهاني بشكل واضح لا لبس فيه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»