تعددت تفسيرات الفقهاء لسورة أهل الكهف المكية، وانفرد عبدالله بن عباس بذكر عدد الفتية في الكهف وكانوا سبعة، ثم ذكر أسماءهم جميعًا بمن فيهم كلبهم «قطمير» ولم يذكر ابن عباس من أين جاء بكل هذه المعلومات التي لم ترد في النص، الذي ذكر أنهم بضعة فتية مكثوا في الكهف نائمين 309 سنوات قمرية، وعلى خلاف بقية القصص القرآنية لم ترد هذه القصة في التوراة والإنجيل، ولكن ذكرت في الأدب السرياني المسيحي بعنوان «قصة أهل مغارة أفسس» ويسميها السريان «أهل الكهف»، وسجلها السريان شعرًا ونثرًا، وخاصة مار يعقوب السروجي (521م) في قصيدة تقع في أربعة وسبعين بيتًا، تؤرخ للحادثة التي وقعت في عهد الإمبراطور داكيوس 250م الذي اضطهد المسيحيين الأوائل، وفيها تذكر أسماء الفتية السبعة كما ذكرهم ابن عباس، مما يعني أن ابن عباس اطلع على القصيدة أو القصة السريانية، التي سجلت قبل قرن من بعثة الرسول.
تقع أفسوس التي شهدت الحادثة في غرب الأناضول في تركيا، ولكن المصادر الإسلامية ترجح أنها وقعت في الرقيم أو الرجيب قرب عمان عاصمة الأردن، لأن الرقيم ذكرت في النص القرآني، وفي عام 1977 قررت السلطات الأردنية تغيير اسم قرية الرجيب إلى قرية الرقيم حيث عثر على كهف يعتقد أنه الكهف الذي شهد الواقعة، بينما لا يزال السياح يزورون الكهف الموجود في تركيا حتى اليوم.
القصة في نصها السرياني تؤكد أن الفتية السبعة ماتوا جميعًا في لحظة واحدة بعد أن زارهم الإمبراطور ثيودوسيوس سنة 408م، فدفنوا في نفس الكهف وأمر الإمبراطور ببناء كنيسة تخلد هذا الحدث، ويذكر النص السرياني أن الإمبراطور المسيحي كان مشغولًا في تلك الأيام بإشاعات تشكك في البعث، فوجد في هذه القصة ما يؤكد البعث، وهو ما جعله يسرع من القسطنطينية إسطنبول حاليًا إلى هذه القرية النائية في غرب الأناضول، ودليله هو قيامة هؤلاء الفتية السبعة ومعهم نقودهم القديمة وكلبهم قطمير، ثم وفاتهم في لحظة واحدة بعد أن أدوا مهمتهم مثل ممثلين على مسرح على شكل كهف.
لن أتوقف طويلًا عند النص السرياني فقد أدى دوره وانتهى. إمبراطور مسيحي يحتاج إلى معجزة ليثبت لأتباعه الجدد حدوث البعث، فوجد في القصة مبتغاه وحول المكان إلى مزار مقدس، مثلما حدث مع المغارة التي ولد فيها المسيح في بيت لحم، ففي القصتين يعثر راعٍ على المغارتين. في قصة العثور على مغارة مولد المسيح تأتي والدة الإمبراطور قسطنطين لتتأكد بنفسها وتأمر ببناء كنيسة المهد التي لا تزال قائمة في بيت لحم.
ما يهمني هو النص القرآني وما يمثله لنا اليوم نحن المسلمين، ومثلما يقول الإمام علي بن أبي طالب «القرآن مصحف مغلق بين دفتين لا ينطق وإنما يستنطقه الرجال». فإنني أجد في النص ما تمر به الأمة العربية والمسلمون اليوم. لم يستيقظ العرب من سباتهم بعد 309 سنوات قمرية، وإنما بعد خمسة قرون كاملة من نومهم الحضاري، وعندما استيقظوا وجدوا أنفسهم مثل الفتية السبعة نقودهم قديمة لا تصلح للتداول في الأسواق.
العرب والمسلمون وجدوا أن أفكارهم التي حملوها قبل أن يدخلوا في سباتهم الطويل لم تعد متداولة في العالم المعاصر. الأفكار التي ورثوها منذ العصر العباسي المتأخر، ووجدوا أنفسهم أشبه بمسافر على قدميه في الصحراء يحمل على ظهره الكثير من الأشياء التي لم تعد لها قيمة اليوم، ومع ذلك يصر على الاحتفاظ بها لأنها كانت لها قيمة قبل أن يغط في سباته، وهذا يفسر غربة المسلمين عن عالم اليوم، وعدم قدرة الشعوب الأخرى على فهمهم حتى في قضاياهم العادلة.
البعث في الثقافات والحضارات لا ينتظر اليوم الآخر ليتحقق. كل الشعوب مرت بهذا الطور من الانكفاء والسبات ثم النهوض مرة أخرى، ولكن عندما تنهض الأمم تمر بمرحلة مهمة ومؤلمة، وهي مراجعة ما حدث قبل السبات، ثم تقوم بعملية تقييم وبتر كل ما يعيقها على النهوض من جديد، وتحتفظ بكل ما هو صالح لحياتها المقبلة.
في القصة السريانية عندما يرسل الفتية بأحدهم إلى السوق ليشتري لهم الخبز، يكتشف التجار أنه يحمل عملة قديمة. صحيح العملة لم تعد متداولة في السوق، ولكنها تساوي الكثير في سوق الآثار والعملات النادرة، ولهذا يحاولون إجبار الفتى على أن يرشدهم على موقع الكنز. لم يبق للعرب الكثير من الكنوز في تراثهم. ما هو مفيد انتقل إلى الأمم الأخرى.
فلسفة ابن رشد. تاريخ ابن خلدون. طب ابن سينا والرازي. بصريات ابن الهيثم. جغرافيا الإدريسي. كيمياء ابن حيان وغيرها جميعها انتقلت إلى الغرب واستفاد منها، وهي اليوم أشبه بعملة أولئك الفتية. يأتي السياح ليشاهدوا الآثار في بلادنا، ويشاهدوا فتية آخرين يستيقظون من سباتهم ليدمروا تلك الآثار في سورية والعراق. كيف يفهم العالم المعاصر فتية داعش سواء أكانوا مؤامرة حيكت في أقبية المخابرات، أو انبعاث حقيقي لمعتقدات بعض المسلمين؟ في الحالتين كارثة فقد لعب الآخرون بجيناتنا الحضارية وعرفوا كيف يوظفونها، أما إذا كانت هي نفس الجينات التي لا نزال نحملها فلابد أن نتخلص منها، حتى لا نصبح مجرد أهل كهف استيقظنا متأخرين عن العالم عدة قرون.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات