Atwasat

معارف الكهف

منصور بوشناف الخميس 15 أغسطس 2024, 03:22 مساء
منصور بوشناف

في أمثولة الكهف التي أوردها «أفلاطون» في كتاب «الجمهورية» نرى سكان كهف، مقيدين بقيود تمنعهم من الحركة أو حتى الالتفات ورؤية ما حولهم في الكهف، هذا الكهف يمكن أن يكون رحمهم أو وطنهم أو وذلك أقرب سجنهم.

الكهف يبدو «رحم الأم» لهؤلاء المحشورين والمقيدين داخله، يوفر لهم الماء والغذاء ولكنه يسجنهم في ظلامه وليس بإمكانهم مغادرته، بل ولا يتخيلون حياة خارجه، لذا فالخروج منه موت أكيد، هو وطنهم الذي لا مكان لهم غيره، مقيدون بحبال العائلة والقبيلة، انه مصدر وجودهم وشرطه، ومصدر معارفهم وآمالهم وأحلامهم، أو هو في لحظات تاريخية ما سجنهم الذي يقبعون فيه ولا خلاص لهم منه إلا بالهرب منه بعد تكسير قيود الانتماء والخوف.

في كهف أفلاطون «الأمثولي» ثمة نار وثمة كائنات تتحرك وتنعكس ظلالها على الجدار أمام المقيدين، ثمة ظلال كثيرة تظهر وتختفي والمقيدون لا يرون إلا تلك الظلال، يحاولون التعرف إليها وتسميتها وفهم ملامحها وخصائصها، لتتكون معارفهم لما حولهم عبر ما يرونه من ظلال، لتكون تلك الظلال هي الحقائق الواضحة والثابتة للعالم «الكهف» ولوجودهم، إنها أي «الظلال» الصورة الحقيقية عن العالم، وهي «الامام» على الرغم من أنها تقبع في «الخلف».

حين يفلت أحد المقيدين من قيود الكهف ويسير متعثرا عبر ممر يفضي إلى خارج الكهف، تغشى بصره الشمس ثم يبدأ في تبين العالم الحقيقي، الشجر والحجر والكائنات الحقيقية وليس ظلال الجدار، ويرى الشمس مصدر النور الحقيقي وليس «نار الكهف» لتنهار كل معارف الكهف التي عرفها ويبدأ عصر تنويره ليعود إلى الكهف ليبلغ «أهل الكهف» أن معارفهم وعلومهم ليست إلا ظلالا، وليسوا إلا ضحايا وسجناء لكل تلك الأوهام والظلال.

«أهل الكهف» سيتهمون هذا الرائد بالضلال والجنون ويحكمونه بالخروج من الكهف عن «ظلال الكهف» ليتجرع السم أو يعلقونه بحبال قيودهم شنقا حتى الموت.

«أفلاطون» كان يرمز عبر هذه الأمثولة إلى «إعدام سقراط» وأيضا «لقيود برومثيوس» الذي سرق النار والنور ليمنحها للبشر. هذه الأمثولة ظلت عبر التاريخ تتكرر بالخطوات نفسها ضد الأنبياء وضد الفلاسفة والعلماء، ظلت الظلال تتراقص وتتلاعب وظل أهل الكهف يتمسكون بأوهامهم وبمعارفهم وعلومهم الزائفة.

في عصرنا الحديث ومنذ غاليليو وكوبرنيكس وابن سيناء وابن رشد والغزالي وابن عربي وآلاف الخارجين من الكهف عن معارف الكهف يطاردون ويقتلون وفي أحسن الأحوال يهربون إلى المنفى الاجتماعي والوجودي.

الظلال ظلت تتغير وتتطور أساليبها لإيهام المقيدين بالمعرفة وإدراك الحقائق وصارت الظلال وتراقصها على جدار عقل الكهف وثائق الحقيقة وبرهانها الذي لا يرقى الشك إليه. كان الشعر والنثر والرسم والأساطير وأخيرا الراديو والتلفزيون والسينما والنت ظلال عصرنا المبهر بعروض تلك الأشباح والظلال المغيبة والمزيفة للوقائع من حولنا.

إن ظلال كهف أفلاطون ما زالت تظلل جدار كهفنا وتطورت أشباحها حتى صارت كائنات حقيقية تقودنا بنورها الزائف وترسخ أوهامنا كحقائق لا يمكن الشك فيها، فنحن نرى ما على الجدار من ظلال وأشباح أفقا مستقبليا لوجودنا على الرغم من أنه ليس إلا ظلالا لما خلفنا من أوهام.

الفن والفلسفة والعلم على الرغم من كل ما قد يشوبها في عصرنا من أشباح هي عربتنا وطريقنا الوعر للخروج من الكهف وتوطين الشك والبحث والموضوعية والعلم ورؤية الشمس والكون والإنسان بدل التحديق في الظلال والأشباح.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»