Atwasat

عصبيات ما بعد ابن خلدون

سالم العوكلي الثلاثاء 30 يوليو 2024, 02:21 مساء
سالم العوكلي

انطلاقاً من نظرية ابن خلدون عن طبائع العمران البشري، يقر الكاتب منصور بوشناف؛ في مقالته «عصبيات»1، بأن «العصبية هي العملية التي من خلالها تتشكل الدول والعمران والملك المتمحور حول مسألة الهوية»، وهي عملية تحمل ما يمكن أن أسميه فيروسات تحلُّلِها وأزماتها في داخلها، وبقدر ما تشكل الكيان ستعمل مع الوقت على اضمحلاله أو انهياره. ونقلاً عن ابن خلدون ـ كما يذكر منصور ـ يستغرق هذا التشكل والتدمير الذاتي 120 سنة، أي خمسة أجيال تقريباً. وتعتبر روابط الدم هي اللبنة الأولى لهذه العصبية «المتحولة» التي تستمر في خلق حلقاتها الأوسع وصولاً إلى الوطنية (القومية) أو الدينية.
وفي العموم هي مقالة تثير الكثير من الشجون والأسئلة، وتغري بنقاش لا يتوقف، خصوصاً حين يطبقها على منحنيات التاريخ الليبي الحديث، بدءاً من الدولة القره مانلية التي تأسست على عصبية قبلية أو رابطة الدم، مروراً بالدولة السنوسية ذات العصبية الدينية، وصولاً إلى ما يحدث الآن، وما ينغمس فيه الليبيون من «صراع عصبيات قبلية وأيديولوجية وسياسية».

وفق المبدأ الخلدوني، يشير منصور إلى أن البداوة مرحلة أولى في كل عصبية تتشكل، ولا أعرف هنا إذا ما كان يشير إلى المنطقة العربية أو إلى النموذج الإسلامي الذي بنى عليه ابن خلدون نظريته، أم إلى ليبيا كنموذج لهذه العصبية، أم هي حالة إنسانية عامة قد نطبقها على كل العمران الذي تشكل فوق هذه الأرض، كما أن تعريف العصبية الخلدوني الذي بدأ به المقالة «العصبية هي أساس الملك وتكوين الدول والعمران، وهي أيضاً عامل تفكك الدول وانهيار العمران والحكم، وكل ذلك حسب نظرية ابن خلدون الرائدة في حقول فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع»، يجعلنا نتساءل عن العصبيات المتشددة التي تتجلى الآن بقوة في دول علمانية ديمقراطية متحضرة تجاوزت مراحل البداوة بقرون طويلة، وولِدت فيها أجيال لم تعرف سوى قيم الحداثة والحضارة، وشكلت ثقافة التعايش والتجاور جزءاً من عقيدتها الراسخة، وأقصد صعود العصبيات اليمينية ذات المنشأ العرقي في قارة مثل أوروبا وفي أمة مهاجرين مثل الولايات المتحدة، إضافة إلى دخول الأيديولوجيات (بكل أنواعها) دينية أو لا دينية على هذا الخط، ما أربك مراحل نشوء وتحول العصبيات كما طرحها ابن خلدون.والنتيجة وفق منصور، ما يشير إليه في آخر المقالة: «الليبيون ينغمسون الآن في صراع عصبيات قبلية وأيديولوجية وسياسية لن تكون قادرة على إنتاج عصبية موحدة، فهي عصبيات مفتتة، تلتهم إحداها الأخرى لتكون النتيجة فراغاً سياسياً وكيانات قزمية وأرضاً ممهدة للأجنبي المتربص بكل فتات». وربما ما يعنيه بالأيديولوجية في هذا السياق الأخير هي الجماعات الدينية المسيسة بكل ألوانها وتدرجات خطابها، من العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة وصولاً إلى اللعب في الملعب السياسي ومحاولة الوصول إليها عبر صناديق الانتخابات، وإذ تطرقت المقالة إلى نحو ثلاثة قرون من تحولات الكيان الليبي الحديث إلا أنها قفزت عن أربعة عقود مهمة من تاريخ ليبيا المعاصر، فترة النظام السابق حيث تمتزج حمى القبلية وتحالفاتها مع الشعارات الدينية في ظل أيديولوجيا أممية مهيمنة، بدأت بنزوع قومي أو جهوي ثم أممي أقصت جميعها فكرة الهوية الوطنية أو الكيان الليبي، لدرجة أن حدود الكيان شكلت عقبة الأيديولوجيا التي أريد لها أن تكون عابرة للحدود. وربما هي الخلطة المستحيلة التي تشكل ثقافة وخلفية الصراعات الراهنة.

السؤال الأهم: هل ما زالت نظرية ابن خلدون التي طرحها فترة تحلل وانهيار الإمبراطورية الإسلامية، وتحت ضغوط عاطفية هائلة، صالحةً لتطبيقها على تحولات العصبية والهوية بعدما تغيرت طبائع العمران البشري؟، وبعدما اعترى العالم من ثورات علمية، أهمها في مجال علم الجينوم والوراثة الذي أرسى نظريات مختبرية تتحكم فيما نسميه وفق النظرية السوسيولوجية «العصبية»، ووصلت إلى نتائج مهمة عبر تجارب علمية أجريت على أفراد ومجتمعات ذوي انتماءات مختلفة، انطلاقاً من غريزة التعصب في عالم الحيوان وما يربط القطعان ذات الجذر الجيني الواحد ببعضها البعض، بل وحتى في علم النبات وما اكتشفوه من تراسل وتأثر متبادل بين الأشجار في الغابة التي ترجع لأصل جيني واحد. إضافة إلى مؤثرات كونية مكتسبة عبر ما شهده العالم من ثورات تكنولوجية في المواصلات والتواصل وانسياب المعلومة، وما نتج عنه من عولمة وانزياح للمفاهيم السابقة للهوية والسيادة أمام ضغط المصالح، وما نشهده اليوم من نزوح بشري هائل (من الجنوب إلى الشمال) يسبح ضد المفهوم التقليدي للعصبية، حيث ستشكل عوامل أخرى تتعلق بالاقتصاد والبيئات القانونية والحقوقية تحولاً جذرياً لمفهوم العصبيات كما طرحه ابن خلدون.

يشير الكثير ممن ناقشوا أفكار ابن خلدون إلى النزعة التشاؤمية في رؤية ابن خلدون الاجتماعية، وقد قارن كريمر تشاؤمه بتشاؤم أبي العلاء المعري، ويُرجعه إلى حقيقة أنه كتب أفكاره في ظل حالة الانحلال والانحطاط الذي اعترى الحضارة الإسلامية. أما الفيلسوف الهولندي المستشرق دي بوير فيعتبر في كتابه (تاريخ الفلسفة في الإسلام) ابن خلدون فيلسوفاً وليس مؤرخاً، ويصف مشروعه بأنه تنازل عن المبدأ العقلي لصالح المبدأ الإسلامي المبسط «لاعتبارات شخصية أو سياسية»، كما يشير في الوقت نفسه على تأثره بجمهورية أفلاطون وأفكار فيثاغورث، ومحاولة تطبيق هذه الأطروحات على واقعه الاجتماعي في ذلك الوقت: «وقد حاول ابن خلدون إنشاء نظامٍ فلسفيٍ مكونٍ من التاريخ بحيث يكون المجتمع وثقافته هو الأساس، ويعمل التاريخ لتبيان كيفية حصول الناس على قوتهم، ولماذا يُقاتلون بعضهم، وكيف تنشأ الحضارات من الأرضية الخشنة لتزدهر وتصبح ناعمة حتّى تضمحل وتنهار».

كان ابن خلدون مفكراً إسلامياً استفاد من عديد الترجمات للفلسفة اليونانية، إضافة إلى تأثره بسلفه المسعودي، وقد أحال تحلل وانحطاط الحضارة الإسلامية إلى الابتعاد عن تطبيق الشريعة ما جعل الممالك تعود إلى صراع تحكمه عصبياتها الأولى التي اندمجت إبان الفتوحات الإسلامية في عصبية دينية أوسع. ويبين الكاتب كرم الحلو في هذا السياق أن «غاية ابن خلدون الرئيسية في المقدمة لم تكن تقديم نفسه مؤسساً لعلم الاجتماع، بل إظهار كيف أن التاريخ الإسلامي هو نتيجة لعدم توافق أحكام الشريعة مع الأهواء البشرية المخطئة. ولما لم تكن البشرية تتّبع أحكام الشريعة، فإنه محكوم عليها بدورة غير منتهية من الصعود والسقوط. فاتباع الشريعة عن قرب فحسب، هو الذي ينقذ الناس من الصعود والسقوط الدوري للأنظمة الحاكمة». ويضيف: «يعتقد ابن خلدون أن الترف والرفاهية يؤديان إلى السقوط والانهيار» وأن «حياة أهل الحضارة تمثل المرحلة الأخيرة من الحضارة، وتبدأ الأمور بالاضمحلال»، لتصعد مكانها حضارة أخرى في دورة متواصلة تفضي إلى تعاقب السلالات الحاكمة.

بعد خوضه في آليات العمران البشري، وفي أساسيات بناء الدولة (الإمبراطورية)، وما سوف يعتريها من تحلل يقدم ابن خلدون وصفته في تطبيق الشريعة لتحاشي الانهيار، وهي أطروحة سيذهب إليها فيما بعد (الفيلسوف أو المفكر أو المؤرخ) الصادق النيهوم الذي سيقر في كتاباته بفشل كل الأيديولوجيات الراهنة ويقترح البديل أو (الحل النهائي) في العودة إلى الجامع ويوم الجمعة، دون أن يوضح ما إذا كانت هذه نظرية تخص المسلمين فقط أم كونية.

وفي المجمل كانت استنتاجات ابن خلدون وقتية وصفت مراحل معينة تتعلق بتوسع واضمحلال الإمبراطورية الإسلامية تجاوزها الزمن، وإن كانت ستعمل في ظروف محددة تعود بنا إلى مرحلة ابن خلدون ومفهومه للعصبيات كما ذكر منصور في مقالته وطبقه على الحالة الليبية. لكن هل سنوافق على أن المدينة وحالة الاسترخاء والرفاه فيها تمثل نهاية الحضارة أو اضمحلال الكيان، بمعنى؛ تفكك الدولة والعودة للعصبيات البدوية الأولى؟ لا أعتقد أن المدينة الحديثة وما تمخض عنها من آلية للاستمرار والاستدامة ممكن أن تتوافق مع هذه النتائج، خصوصاً أن الأمثلة التي ضربها منصور حول تشكل واضمحلال الكيانات الليبية لا يتفق مع هذه الحتمية.

وما انتهى إليه منصور في مقالته حيال الحالة الليبية الراهنة المربكة فيما يخص مسألة الهوية والكيان سيكون موضوع مقالة قادمة، فيما يتعلق بما ذكرته من إثارة شجون، خصوصاً ما يتعلق بالمفهوم السلبي للبداوة والذي ما زال يعتبره عديد الكتاب الليبيين آفة مستمرة أو (وصمة) أبدية مسؤولة عما حدث ويحدث في ليبيا، مع تغييب عوامل عديدة، وعدم تفحص هذا المفهوم العمراني الذي تبدل كثيراً مع متغيرات جذرية شهدها العمران البشري في العالم وفي ليبيا، وهي كتابات لا تخلو من دوغما ونبرة تمييز وحس عنصري، قلبت منحنى ابن خلدون لنشوء الحضارات وأفولها التي تبدأ بعصبية البداوة والقبيلة ثم الدولة والعمران والانهيار مع رفاه المدينة، لتصبح النظرية فيما يخص وصف الحالة الليبية عند بعض الكتاب عكسية، تبدأ بازدهار المدينة وتنتهي حتماً بتخلف البداوة، ليتحول هذا الطور العمراني الذي شهد تبدلات كثيرة (وصمة) أزلية ستلاحق كل من يحملها مهما اندمج في الحضارة أو الحداثة، وربما يرجع هذا الهجاء الليبي للبداوة واعتبارها مسؤولة عن كل ما يحدث في البلد من أزمات إلى ضغط عاطفي يتعلق بمنشأ القذافي وبخطاب نظامه ووسائل إعلامه، والمفارق أن النظام السابق بقدر ما تعامل مع التركيبات القبلية القزمية كأداة لترسيخ حكمه، كان نزوعه القومي أو الأممي ينكر الهوية الليبية وخارطتها الجغرافية من الأساس، بل لفترة حرم استخدام تسمية ليبيا أو صفة الليبي المضافة لأي خاصية.

1 ـ منصور بوشناف، عصبيات، موقع بوابة الوسط، 18 يوليو 2024.
2 ـ كرم الحلو (كيف جمع ابن خلدون بين الفلسفة وعلم الاجتماع والتأريخ؟) موقع إندبندنت 19 أبريل 2022.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»