Atwasat

دماء وتراب في بنسلفانيا

سالم العوكلي الثلاثاء 23 يوليو 2024, 12:28 مساء
سالم العوكلي

بداية ولعي بالسينما، وعندما كانت دور السينما تعمل في مدن ليبية، عاصرت مرحلة هجوم أفلام الغرب الأميركي، أو ما كنا نسميها أفلام الكاوبوي، وأصبح العديد منها جزءًا من هوانا المنسجم مع طبائع الأمة الجديدة على الضفاف الأخرى للأطلسي، وذاكرتنا عن العنف المبجل الذي شكل بنية هذه الأمة، التي يقال عنها أنها نشأت عن حرب أهلية ضارية، وتقوت بعد حربين عالميتين ضاريتين.

ومن تلك الحقبة خرجنا بأذهان طرية لا ترى الأميركي سوى كاوبوي يرتدي قبعة القش مرفوعة الحواف، وحذاءً جلديًا بساق طويلة يدفع به أبواب الحانات ومكاتب الشريف، وأدركنا من خلالها قواعد تلك الأمة التي تأسست وفقها، حيث القوة أهم من القانون، أو القانون المعنيون به الضعفاء فقط ينصاع للقوة ويخدمها، وهذا ما يتجلى الآن في تعامل الولايات المتحدة مع القانون الدولي حيث ترى مؤسساتها النافذة أن الدول الضعيفة هي المعنية بالالتزام به.

ثقافة القاتل المأجور، والمطلوب حيًا أو ميتًا، وصائدو الجوائز، والمكافآت مقابل الوشاية، جاءت مع تلك الأفلام التي تطرح التقاليد التي تأسست بموجبها هذه الأمة القوية التي يختلط فيها الجمال بالعنف، مثلما امتزجت أفلام الكاوبوي العنيفة بموسيقى إينيو موريكوني الساحرة.

وأكثر التقاليد شيوعًا أسلوب تحويل الخصم إلى شر مطلق لدرجة أننا سنتعاطف بسذاجة مع الجاني (غاز أو محتل) ضد الضحية كما حدث مع أفلام الهنود الحمر وصولًا فيما بعد إلى الكثير من أفلام حرب فيتنام، فنتألم لإصابة جندي أميركي رأيناه في بداية الفيلم وهو يودع حبيبته أو زوجته وأبناءه وينتقل إلى حرب بعيدة من أجل محاربة شر ما، بينما نرى الضحايا من المدافعين عن أرضهم وعائلاتهم يتساقطون بالمئات كالأشباح دون أن تظهر ملامحهم الإنسانية، وكأنهم ليسوا بشرًا لهم هم أيضًا حبيبات أو زوجات وأبناء، وكما يحدث الآن مع الميديا الموجهة عبر عرض الفلسطينيين، السكان الأصليين، بكونهم الأشرار الذين يعرقلون مشروع الديمقراطية والحداثة.

أثناء الحرب العالمية الثانية أوقف تصوير وعرض أفلام الغرب الأميركي تفاديًا للإحراج الذي يجعل من الرجل الأبيض الأميركي في تعامله مع الهنود شبيهًا بالنازيين، لتعود بقوة في عقدي الستينيات والسبعينيات وتسيطر على سوق الأفلام قبل أن تأخذ أفلام الخيال العلمي ضخمة الإنتاج مكانها في الشباك. وفي بداية عقد التسعينيات عادت أفلام الغرب الأميركي بخطاب جديد ومختلف يحيله البعض إلى أطروحة نهاية التاريخ، ليقدم النموذج الأبيض المنقذ للمضطهدين والقادر على احتوائهم، وأهمها فيلم «الراقص مع الذئاب» الذي نال الكثير من الجوائز، وانضم إلى مكتبة الكونجرس الأميركي كأبرز عمل درامي من الناحية التاريخية والثقافية والجمالية.

يكتب الناقد خير الدين بن الطاهر في موقع (الديوان العربي) عن الراقص مع الذئاب: «إن صورة الغازي هذه تتماهى تمامًا مع ما ذهب إليه المفكر الأميركي ذي الأصول اليابانية فرانسيس فوكوياما الذي يؤمن بتفوّق الحضارة الغربية على ما عداها من حضارات، ويرى أن المحرّك الحقيقي للتاريخ هو التسلح وكأنه بذلك يضفي شرعية على تدمير الآخر».

بعد ذلك تتبنى أفلام الخيال العلمي هذا المنطلق للقوة والهيمنة لتصبح مسؤولية إنقاذ الكوكب مقترنة بالبطل الأميركي الأبيض، وأشهرها فيلم أفاتار لجيمس كاميرون، وتظل تيمة المنقذ الأبيض هي المهيمنة رغم تسريب فكرة فهم الآخر ومحاولة احتوائه التي تميز بها الفيلمان. وفي العام 2011 جاء فيلم (كاوبويز وفضائيون)، الذي يجمع بين سينما الغرب الأميركي وسينما الخيال العلمي، حيث يتحالف الفضائيون ورعاة البقر من أجل إنقاذ مجموعة من سكان الأرض اختطفتهم كائنات فضائية*.

قبل ذلك، أثناء الحرب العالمية الأولى، العام 1915 أُنتِج الفيلم الملحمي الطويل Birth of A Nation «مولد أمة» الذي يعد المؤسس للسينما الحديثة بما استخدمه من أسلوب سرد ومونتاج وتقنيات، وهو أول فيلم يُعرض في قاعة البيت الأبيض، وتقول عنه إيلين سكوت، مؤلفة كتاب «الحقوق المدنية في السينما»: «الفيلم هو أحد أكثر الأفلام التي أنتجت عنصرية، بل أكثرها عنصرية على الإطلاق.

هذا الفيلم في الواقع يصور الإعدام خارج القانون كأمر إيجابي. كما يشير المضمون السياسي للفيلم إلى أن بعض السود يستحقون الإعدام. وبهذا يكون الفيلم مغرقًا في العنصرية». ويعود للفيلم الفضل في إحياء حركة كي كي كي «كو كلوكس كلان» العنصرية التي تبنت الفيلم كأداة لتجنيد الأعضاء، والتي ما زالت تعتبر عرضه حتى الآن تقليدًا طقسيًّا لهذه الجماعة، وهي ضمن حركات عنصرية ما زالت قائمة تنشط أحيانًا في الشوارع وفي مواقع التواصل، وتعلن تأييدها لدونالد ترامب.

عقيدة هذه الجماعة النازية، وفق موقعها الإلكتروني، تتلخص في: «نحن نعتقد بأنه لا يمكن للمجتمع المتعدد الأعراق أن يكون صحيًا، ولا يمكن أن تكون الحكومة جيدة ما لم تكن مسؤولة بالكامل عن عرق واحد». كما يرد في موقع وكالة الأناضول بتاريخ 18 أغسطس 2017. وقد كمن نشاط هذه الجماعات العلني بعد ملاحقتها أمنيًّا، إلى أن انتعشت خلال فترة حكم ترامب السابقة، لتخرج للعلن في أغسطس 2017 في مظاهرة ضخمة ـ مرخصة من قبل بلدية المدينة ـ في مدينة شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا ـ تحت شعار «وحدوا اليمين»، وصادحة بهتاف النازية الشهير Blut und Boden «دماء وتراب» ـ احتجاجًا على إزالة أحد رموز العنصرية والعبودية، نُصْب الجنرال روبرت إي لي.

استمرت الولايات المتحدة بمؤسساتها المعلنة والسرية تعمل بعقلية القوة هي القانون، والاغتيال أحد الوسائل التي تبرر الغاية، واغتالت مخابراتها العديد من الشخصيات المعارضة، وحتى من رؤسائها ورؤساء دول أخرى. لذلك، فكرة اغتيال المخالف أو من يعترض المصالح ليس خارج عقيدة أميركا السياسية.

ودونالد ترامب الذي لا تختلف تصريحاته العلنية عن أدبيات هذه المجموعات العنصرية، يتبنى فلسفة الرجل الأبيض المنقذ، وبرنامجه الانتخابي المتمحور حول أميركا أولًا، أو «أميركا قوية» تهيمن على العالم دون أي تشويش من قوة أخرى، يصب في لب أطروحة نهاية التاريخ، وحملات ترشيح ترامب في الفترة السابقة والآن، تستخدم عديد التقنيات السينمائية المؤثرة في المزاج الأميركي من خلال كاريزما (البطل الأبيض المفقود) وخطبه الخالية من الشطب، وفي مجملها تنتمي لصناعة البطل الشعبي (My hero) بحديثه القاسي عن المهاجرين، واستثماره في ظاهرة الإسلاموفوبيا عبر تصريحاته الفجة. في 7 ديسمبر 2015 كتب ترامب في بيان نشره تحت عنوان «بيان دونالد ترامب لمنع الهجرة الإسلامية»، أنه يدعو إلى الوقف التام لدخول المسلمين إلى الولايات المتحدة.

حين شاهدتُ مقطع محاولة اغتيال دونالد ترامب؛ أكثر معارضي قانون تقنين ملكية السلاح، تداعت إلى مخيلتي صور تلك المرحلة من أفلام الغرب الأميركي وما تبعها، وشكل مشهد البطل الأبيض الناجي أيقونة الحملة الانتخابية لترامب التي دفعت بشعبيته إلى رقم قياسي: بورتريه لملامح وجهه الصارمة وخيطان من الدم يسيلان من أذنه ويلامسان شفتيه المزمومتين، رافعًا قبضة المنتصر الشهيرة. وهو مشهد سرعان ما سيخترق الوجدان الأميركي المتعطش لفكرة البطل السينمائي الأبيض القديم الذي دائمًا ينجو. فهل كان هذا المشهد أعطية جاءت في الوقت المناسب، أم إشارة سماوية كما وصف دائمًا نفسه بأنه يتلقى إشارات إلهية في كل ما يفعل باعتباره مكلفًا من قبل الرب بمهمة مقدسة؟ وفي خطبته في مؤتمر حزبه قال: رغم الدماء التي كانت تغطي وجهي إلا أني كنت أعرف أن الله بجانبي.

والآن يستمر ترامب في حملته بضمادة بيضاء مربعة مصلوبة على أذنه (اليمين) ستفرش له الطريق صوب البيت الأبيض مرة أخرى، فالرصاصة التي لم تصب ترامب في مقتل أصابت حملة بايدن في مقتل ـ ما جعل الديمقراطيين يواجهون ترامب بامرأة للمرة الثانية هو الذي انتصر في كل معاركه القضائية والجندرية ضد النساء ـ بينما الشكوك ما زالت تدور حول محاولة الاغتيال التي سيظل الغموض يكتنفها إلى الأبد مثلما اكتنف حوادثَ اغتيال سابقة وغيرَها من الوقائع التي حار فيها المنطق، ولم تصل فيها التحقيقات إلى أي نتائج.

والقانون الأميركي المتعود على دراسة مسرح الجريمة بكل دقة وبتقنيات عالية، غالبًا لا تكفيه الأدلة المادية مهما كانت متقنة لإقناع لجنة المحلفين ما دام الدافع غائبًا، والدافع لمحاولة الاغتيال ضاع مع مقتل الفتى الصغير بسره، وخلو موبيلاته وأرشيفه الرقمي من أي رسائل أو بيانات، ولا أثر تبقى سوى قميصه المخضب بالدماء والتراب الذي تبين أنه لقناة «يوتيوب» متخصصة في الترويج للأسلحة، وربما هذه رسالته. ميلانيا تصف هذا المراهق النحيل الذي حاول اغتيال زوجها ترامب بـ«الوحش».

في أول تصريح له حيال حرب غزة بعد المحاولة يقول ترامب مخاطبًا ما تبقى من الفلسطينيين: «من الأفضل أن تعيدوا الرهائن قبل أن أكون رئيسًا وإلا ستدفعون ثمنًا باهظًا». ترامب ما زال يهدد الفلسطينيين بدفع ثمن باهظ، ولا يعتبر مقتل نحو 40 ألف مدني أكثر من نصفهم من الأطفال ثمنًا باهظًا. ورغم صعوبة تحديد من يمكن وصفه بالوحش إلا أنه سيظل أسلوب تصفية الخصوم السياسيين جسديًّا من أحقر ما شهده التاريخ السياسي، سواء في دول الاستبداد الصغيرة، أو في الديمقراطيات الكبيرة.

*في هذا السياق لا ننسى عديد الأفلام الأميريكية ذات النزعة الأخلاقية التي كشفت فساد النظام بمعنى (System)، وانتقدت بشدة العنصرية، ونهج سياساتها الحاث على الكراهية، وفضحت مبررات الحروب الزائفة التي خاضتها الولايات المتحدة خارج أراضيها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»