في مسلة صغيرة موجودة بمتحف اللوفر بباريس يوجد نقش يظهر الإله البابلي شمش جالسا على عرشه ويقف أمامه الملك حمورابي وهو يتسلم منه أول شريعة في تاريخ البشرية، كان ذلك بين العامين 1792 و1750 قبل الميلاد، وهي الفترة التي حكم فيها حمورابي الإمبراطورية البابلية التي شملت العراق والشام وأجزاء من إيران، واستمر حكمه 42 سنة. كان من الممكن أن يصدر حمورابي شريعته المكونة من 282 مادة تنظم تقريبا جميع شؤون المجتمع باسمه، ولكنه ادعى أن الشريعة جاءته من الإله شمش مباشرة وهو مكلف بتطبيقها وتفسيرها، وهكذا جمع حمورابي بخطوة واحدة جميع السلطات بين يديه، فهو المشرع بتفويض إلهي وهو المنفذ وهو المراقب وهو المفسر.
يذكر أن حمورابي ليس كاهنا وربما لهذا السبب ادعى الصلة بالإله شمش مباشرة ليلغي وساطة الكهنة، وبالفعل في عهده سيطرت الدولة على المؤسسة الدينية، ففي ذلك العصر، وهذا ما نلاحظه في بلاد الرافدين وفي مصر، يأتي الحكام من الجندية أو من بين الكهنة، ويبدو أن هذه الظاهرة مستمرة حتى عصرنا الحالي حتى وإن اتخذت مظاهر مختلفة عما قبل.
قبل شريعة حمورابي ظهرت قوانين في سومر كانت تفرض تعويضا للضحية في حالة وقوع جريمة، ولكن للمرة الأولى تفرض شريعة حمورابي عقوبات جسدية للمخالفين بالإضافة إلى التعويض «العين بالعين والسن بالسن»، وعندما وجد أن ألواحه الطينية الاثني عشر المكتوبة بلغة الشعب اللغة الأكادية قد قبلها الناس دون اعتراض، تحول بالتدريج إلى إله فقد حقق الانتصار في الحرب وفرض السلام والأمن وحقق العدالة، وتقريبا جميع شعوب الأرض حتى اليوم لا تطمح في أكثر من ذلك والباقي تفاصيل، ولأن الإمبراطورية البابلية ضمت شعوبا كثيرة يتحدثون بلغات شتى فلم تميز قوانين حمورابي بين الشعوب، ولكن على هذه الشعوب عبادة إله واحد هو الإله مردوخ، وأن تتواصل مع الدولة باللغة الرسمية وهي اللغة الأكادية حتى وإن تحدث الناس لغات أخرى أكثرها انتشارا كانت اللغة الآرامية.
انتقلت قوانين حمورابي فيما بعد إلى كل الحضارات وهي أكبر مساهمة أصيلة من بلاد الرافدين في تاريخ العالم، كما تبنتها كل الشرائع السماوية بعد ظهور الديانات التوحيدية، فشريعة موسى تحتوي على 613 مادة، منها 365 تبدأ بـ«لا تفعل»، و248 مادة تبدأ بـ«افعل». كان الحكم بالإعدام عقوبة للكثير من الجرائم والمخالفات، ألغيت جميعها في الشريعة الإسلامية وبقي فقط حكم الإعدام على جريمة القتل المتعمد، مثلما جاء في سورة المائدة (45) «وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له».
في القانون الروماني كان رجال الدين هم من يتولى تفسير القوانين وتطبيقها، ولكن هذا القانون لم يكن مصدره إلهيا، ولهذا كان يمكن تعديله وتطويره ليلائم تطور الإنسان، أما القانون السماوي فلا يمكن تعديله، إلا إذا أعيد تأويل النص فيبقى النص ثابتا وتتغير التفاسير.
جاءت الأديان لتعزي وتواسي الإنسان في مصيره المحتوم، فإدراكه بأنه كائن فان يقلقه ويفجر خوفه القديم، ولهذا أتاح الدين حياة أخرى ينعم فيها المؤمنون ويعاقب فيها المخالفون، ومن ناحية أخرى ثمة مآرب سياسية وأحيانا تجارية في كل الأديان، مخفية بدهاء خلف قناع المقدس. الدين اليهودي وحد القبائل الرعوية التي خرجت من مكان ما في الجزيرة العربية.
لو تركت تلك القبائل لما تخلت عن آلهتها فكل قبيلة ستدعي أن إلهها هو الأعظم، ولكن عندما تجبر على النظر إلى السماء ستقبل بذلك الإله السامي والمجرد، ثم قفلت الديانة اليهودية أبوابها، وجاءت المسيحية لتفتح تلك الأبواب لتتحول إلى دين تبشيري هو الأكبر في العالم، وإن تشظى إلى طوائف ومذاهب لا تحصى، ثم جاء الإسلام ليقفل الباب باعتباره آخر الأديان السماوية.
عندما وجد الإمبراطور قسطنطين مملكته منقسمة بين مسيحيين ووثنيين، حاول المزج بين الدين الجديد والدين القديم ليرضي الطرفين، وعمد كمسيحي وهو على فراش الموت، بعد أن اعتمد يوم الأحد بدلا من السبت كعطلة أسبوعية ويوما مخصصا للعبادة، ولكن يوم الأحد في معظم اللغات الأوروبية هو يوم الشمس «سن دي» في الإنجليزية و«زن داخ» في الهولندية، والشمس هي الإله الذي عبده الأوروبيون قبل المسيحية، ويوم عيد الميلاد 25 ديسمبر هو يوم كانت تحتفل به القبائل الجرمانية وتستخدم فيه نفس الشجرة باعتبارها الشجرة الوحيدة التي لا تسقط أوراقها في الشتاء، وموسم الحج في الإسلام هو موسم تجاري بامتياز قبل وبعد الإسلام، فأحد تجار قريش جمع جميع أصنام آلهة القبائل العربية ووضعها حول الكعبة، وعندما تحج القبائل تجد آلهتها أمامها في أقدس مكان، ولكن بالقرب من مكة هناك سوق عكاظ وذو المجاز وذو المجنة.
في أيامنا هذه تبدو كرة القدم دينا جديدا متعدد الآلهة، فالجماهير تشجع أنديتها المحلية ثم تختار ناديا عالميا، مثلما كان في الماضي البعيد حيث هناك إله أعلى للإمبراطورية، وهناك إله صغير لكل مدينة، وتبدو منظمة الفيفا أشبه بمجمع للكهنة، ويختلف الناس حول من الأفضل بيليه أو مارادونا. رونالدو أم ميسي، ولكن هذا الدين الجديد كان كافيا لتفريغ شحنة الغضب والتمرد بين الشباب، التي تفاجأ بها السياسيون في ثورة الطلاب العام 1968، ومن خلف قطعة الجلد المنفوخة بالهواء جمع التجار وشركات الدعاية وقنوات البث التلفزيوني مليارات الدولارات.
في الحقيقة نحن نشاهد ونستمتع باثنين وعشرين مليونيرا يتقاذفون الكرة، وعندما يسجل أحدهم هدفا نقفز من مقاعدنا ونصرخ بفرح طفولي، بينما ينزل في الحساب المصرفي للهداف ملايين الدولارات من عرق الكادحين، الذين على استعداد للموت ليفوز منتخبهم أو ناديهم، وغالبا ما نختار المعلق الرياضي المفضل لكل منا، والقنوات التلفزيونية تبث المباريات على عدة قنوات كل قناة بمعلق يفضله ذلك الشعب أو هذا الجمهور، مثلما يفضل الناس تأدية صلاة الجمعة في مسجد معين لأنهم يفضلون خطيب ذلك المسجد.
في يوم المباراة الأخيرة بعد موسم من الهرولة حول الملاعب، تزحف الجماهير على الملاعب وهم يرتدون أزياء فريقهم المفضل وأرقام لاعبيهم المفضلين، وأعدادهم أكثر من أعداد المترددين على المعابد، ولكن كرة القدم ليس بها قداسة، فهي ترتفع إلى أعلى ثم تسقط على الأرض لتركلها الأقدام دون رحمة، مثل الآلهة التي عبدها النبي إبراهيم في بداية رحلته الروحية، ولغة كرة القدم لغة بذيئة غير مقدسة، فالمشجعون واللاعبون يتبادلون أكثر الشتائم بذاءة بكل لغات الأرض، فمعظم اللاعبين جاءوا من بيئات فقيرة وشعبية ليتحولوا إلى أساطير.
في الأساطير لا يصل الإنسان إلى الخلود بينما يصل اللاعب الاستثنائي إلى الخلود في كرة القدم، وفي الأديان لا ينتصر الخير على الأرض وإنما ينتصر بعد الموت، وفي كرة القدم الثواب والعقاب يصلان إلى من يستحقهما فورا، لذلك يرسم اللاعبون المسيحيون الصليب على صدورهم عند دخولهم إلى الملعب، ويسجد اللاعبون المسلمون على البساط الأخضر أكثر من سجودهم في المساجد، وفي الفترة الأخيرة أصبحت كرة القدم الطريق الذهبي نحو السلطة، هذا ما فعله النجم السابق والرئيس الحالي لليبيريا جورج ويا، فالشعوب ملت من الرؤساء الفاسدين الفاشلين، ويريدون تجريب من أسعدهم على المستطيل الأخضر في معركة التنمية والعدالة الاجتماعية والمساواة والرخاء، وهذا ما يتمناه المؤمنون في كل الأديان، حتى إنني تصورت لو أن كارل ماركس لا يزال حيا لصرخ قائلا إن كرة القدم أفيون الشعوب.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات