Atwasat

عصبيات

منصور بوشناف الخميس 18 يوليو 2024, 06:15 مساء
منصور بوشناف

العصبية هي أساس الملك وتكوين الدول والعمران، وهي أيضا عامل تفكك الدول وانهيار العمران والحكم، وكل ذلك حسب نظرية ابن خلدون الرائدة في حقول فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع.

العصبية تشكل، حسب ابن خلدون، العامل التاريخي المهم والأول في تشكل الهويات الجامعة ومن ثم تشكل «الكيانات» لتتمكن إثر ذلك من تكوين التحالفات وبناء مراكز الاستقرار والتحضر «المدن» وتحويل البدو «عنصر العصبية الأول» إلى الاستقرار وتكوين الدول.

عصبية ابن خلدون ليست جامدة بل متحولة، وتمر بمراحل من النمو والتطور والاستقرار ثم التفكك والتحلل والانهيار، فهي عصبية القبيلة والعشيرة وروابط الدم والمصالح وهي المتحولة إلى طور آخر إثر «الدعوة الدينية» أو «الوطنية» لتصبح عصبية دينية أو وطنية أو قومية يوحدها «المبدأ العقدي» الذي تتخطى به رابط الدم والقبيلة إلى رابط العقيدة ويتشكل إثر ذلك «الكيان» والاستقرار ومراكزه الحضرية لتتأسس الدولة، ثم لتبدأ بعد كل ذلك، وبالعصبية نفسها، مرحلة الهشاشة والانحطاط ثم التفكك والانحلال والموت.

إنها نظرية الولادة والموت للكيانات والدول، نظرية «ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع»، تعاقب دوري للحضارات وللدول، بل لا أتردد في القول إنها مدرسة نظريات النهوض والانهيار لـ«شبينغلر والداروينية الاجتماعية وعود نيتشه الأبدي».

عمر هذه الرحلة الخلدونية، من القبيلة إلى الدولة، من العصبية الأولى إلى الثانية، من البداوة إلى العمران، من الازدهار والرفاهية إلى الإفلاس، يقدره ابن خلدون بما يقارب المئة وعشرين عاما، يبدأ بعصبية وينتهي بعصبية جديدة.

«عصبية ابن خلدون» تجلت في التاريخ الليبي الحديث على نحو لافت، فلقد تأسس الكيان الليبي الحديث على هذه النظرية، وكان ذلك بالتحديد في الدولة «القره مانلية » حيث تشكلت عصبية جديدة في المجتمع الليبي من أبناء جنود عثمانيين وأمهات ليبيات، وقد ولدوا وكبروا في ليبيا ولا يعرفون بلادا لهم غيرها، وانسجاما مع بنية المجتمع الليبي القبلية تشكلت بينهم ومنهم عصبية جديدة هي «العصبية الكورغلية» استطاعت أن تشكل تحالفات مهمة مع القبائل الليبية وقادتها الأسرة «القره مانلية» لتحقيق الاستقلال وتكوين الدولة الليبية الأولى بحدودها وإدارتها المستقلة، رغم تبعيتها الشكلية للدولة العثمانية.

كانت الدولة الليبية الأولى وعبر العصبية الخلدونية قد استطاعت أن تزدهر وأن تصبح قوة مهمة في البحر المتوسط وفي الصحراء الكبرى لمئة وعشرين عاما، كما توقع ابن خلدون لولادة وتشكل وتفكك وانحلال دولة العصبية، فبعد قرن وربع تقريبا بدأت العصبية الكورغلية وتحالفاتها القبلية تتفكك وتنهار، تحت ضربات الثورات المحلية والديون الخارجية والإفلاس.

الدولة الليبية الثانية تأسست على «العصبية الدينية» حسب ابن خلدون، وقد ولدت وكبرت وحققت استقلالها وبنت دولتها بقيادة «السنوسيين» الذين أسسوا حركتهم الدينية الإصلاحية عبر نشر الدعوة بين البدو الليبيين وصنعوا عصبية دينية انقاد لها الليبيون وانتموا لها كعصبية أكبر وأقوى من عصبية القبيلة وشكلوا عبرها تحالفات مع قبائل وأعراق أخرى، واستطاعت هذه العصبية أن تنجح، وعبر التحالف مع قوى الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، في أن تحقق الاستقلال وتأسيس الدولة الليبية الثانية وقد استغرق كل ذلك وحسب النظرية الخلدونية مئة وعشرين عاما وسقطت العام 1969م.

العصبية الخلدونية ظلت تصدق في قراءتها لتاريخنا الليبي الحديث، كما لوكنا عينة مجهرية كاملة الشروط للفحص المجهري والوصول إلى نفس النتائج لفرضيات النظرية، لأن التاريخ الليبي الحديث لم يقفز إلى ما بعد «العصبية الخلدونية» أعني إلى المؤسسات بدل القبيلة، وإلى المواطنة بدل الانتماء لعصبية التحالف الموقت، والكفاءة في القيادة بدل الانتماء للعصبية القائدة.
الليبيون ينغمسون الآن في صراع عصبيات قبلية وأيديولوجية وسياسية لن تكون قادرة على إنتاج عصبية موحدة، فهي عصبيات مفتتة، تلتهم إحداها الأخرى لتكون النتيجة فراغا سياسيا وكيانات قزمية وأرضا ممهدة للأجنبي المتربص بكل فتات.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»