Atwasat

غباء

صالح الحاراتي الخميس 18 يوليو 2024, 01:25 مساء
صالح الحاراتي

من أسوأ الكلمات التى توجه لأي إنسان هي أن تصفه بالغباء، خاصة لو كان طفلا، لما لهذه الكلمة من تأثير سلبى على نفسية الموصوف.. فما هى ماهية الغباء وخصائصه، وعلاماته، وتبدياته فى الواقع؟
فى موسوعة «ويكيبيديا»، الغباء هو الافتقار إلى الذكاء، والفهم، والتعلم، والشعور أو الإحساس، وربما يكون السبب فطريا أو مكتسبا أو مُفتعلا، ويُعرف الغبي في اللغة العربية بألقاب عدة كالأحمق والمعتوه والأبله والمغفل.
وبعض الأبحاث تؤكد أن نسبة الغباء أو الذكاء مرتبطة بالجينات الموروثة من الأب أو الأم. غير أنه يمكن التحكم فيها بالاعتماد على عوامل أخرى كالتعليم والتنشئة الاجتماعية، وغيرها.
ومن الأقوال الشائعة عن أينشتاين: «شيئان لا حدود لهما: الكون وغباء الإنسان».
وتتعدد توصيفات الغباء بشكل كبير، فهناك من يقول إن الغباء هو إحسان الظن بالآخرين بشكل مطلق، وهناك من يرى أن نسيان الغاية هو أكثر أنواع الغباء شيوعا. ومن الأقوال الشائعة أيضا أن الإنسان الغبي هو الإنسان معدوم الخيال. وتمضي التوصيفات للغباء حتى نصل إلى من يقول إن الغبي هو الذي لا يقبل أية فكرة جديدة لمجرد أنها تختلف عما عهده من أفكار، ولا يقبل أن يستمع إلى الرأي الآخر. وأعود لأينشتاين وقوله المشهور والأكثر تحديدا «الغباء هو فعل الشيء نفسه مرتين بالأسلوب نفسه والخطوات نفسها وانتظار نتائج مختلفة».
هكذا يتنوع توصيف الغباء. وخلال إحدى جولاتى في حوارى وشوارع شبكة الإنترنت، وجدت هناك كتابا لـ«كارلو م. سيبولا» عنوانه «الغباء البشري»، يتناول فيه تلك الصفة البشرية بتحليل يمزج الفكاهة بالحكمة، وقد أجمل رأيه عن الغباء فى نقاط عدة، منها «إننا نستخف دائما بعدد الأفراد الأغبياء من حولنا، وبغض النظر عن عدد الأشخاص الأغبياء الذين نعتقد أننا قابلناهم، هناك دائما المزيد ممن لا نقابلهم ويختبئون في الظلال»!
وفى تقديرى هناك مسألة مهمة أشار إليها الكاتب هى أن الغباء صفة عالمية، لا تقتصر على العرق أو الجنس أو الوضع الاجتماعي.. إنها صفة تصيب جميع الفئات بلا تمييز.
ويمضي الكاتب فى توصيفه للغباء، ويُعرف الشخص الغبي بأنه الشخص الذي يسبب ضررًا للآخرين دون أن يجني أي فائدة، بل قد يلحق الضرر بنفسه أيضًا. هذا السلوك المدمر للذات يجعل الغباء خطيرًا بشكل خاص، لأنه يتحدى التفسير العقلاني والتنبؤ. ويحذر الكاتب من التقليل من القوة المدمرة للأشخاص الأغبياء، التى تؤدي غالبًا إلى عواقب كارثية، نظرا للفشل في توقع الأضرار التي يمكن أن يسببها هؤلاء الأشخاص.
ويؤكد أن الأشخاص الأغبياء أكثر خطورة من الأشخاص الأشرار ذوي النيات السيئة، فالأشرار يتصرفون بدافع من المصلحة الذاتية، بينما يتصرف الأشخاص الأغبياء بشكل غير عقلاني وغير متوقع، مما يجعل تصرفاتهم والفوضى الناتجة عنها صعبة المواجهة. ويدعو أخيرا إلى التعرف على تأثير الغباء ومعالجته من خلال الدعوة إلى اليقظة والتفكير الاستراتيجي، لتخفيف تأثيره.
فى هذا السياق، وجبت الإشارة إلى من سبق «سيبولا الإيطالى» إلى هذا الموضوع، وهو ابن الجوزي بالقرن السادس للهجرة في كتابه الطريف «أخبار الحمقى والمغفلين»، وفيه قص نوادر هؤلاء، مع التعريف بصفات الأحمق، وكيفية تمييزه عن غيره من الناس. والطريف في هذا الكتاب اعتبار ابن الجوزي أن للأحمق والغبي صفات جسدية معينة، منها صغر الرأس -ولا أظنه أمرا صحيحا- وذكر العديد من الصفات والعلامات الدالة على الحمق.
هناك أيضا كتاب بعنوان «الغباء السياسي» لمحمد توفيق.. ألتقط منه عبارة تقول: «إذا كانت هناك مؤامرة لما كانت تستطيع أن تحقق أهدافها لولا الغباء السياسى»، والسؤال الذى يطرح نفسه دائما هو: كيف يصل الأغبياء والمتغابون إلى كرسى الحكم؟!
وأخيرا، أشير إلى أن هناك من يضيف إلى ما سبق ما يسمى «الغباء الاجتماعي»، وهم الذين يفتقدون المرونة الاجتماعية المطلوبة في التعامل مع الآخرين، وعدم مراعاتهم مشاعر وظروف الغير. ولا يقتصر «الغباء الاجتماعي» على طبقة من طبقات المجتمع، فقد نجد متعلما يتصف بـ«الغباء الاجتماعي».
كما أود الإشارة إلى اعتقاد لدي مفاده أن الخطر الحقيقي يأتي من الشخص المتغابي، الذى يوهمك بغبائه حتى تكون أنت فى غفلة عما يخططه لك.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»