العام 1949.مرت خمسة وسبعون عاما. العالم ينطلق من الرماد والسخام بعد الحرب. أوروبا في حُمى الإعمار الجديد لرتق ما انفتق وتصليح ما انفلت في تلك الأيام المريرة. التعويضات والخروج من الأزمات ومحاكمات قادة الحرب في نورنبرج. نجا منها موسوليني الذي علق رأسا على عقب في محطة بنزين في ميلانو وكذا غراسياني مات عام 1955 تلاحقه لعنات العقيلة والبريقة وسلوق وأسمرا وديار الحبشة. مشروع النقطة الرابعة يعلنه ترومان. العالم الحر الذي بدأ يصحو بعد تثاؤب ممل. نغمة تخرج من أسارها. الناتو يتشكل. عالم آخر ينمو من الفقر والألغام والجوع وانتظار الصدقات وتوزيع دقيق الشوفان.
ليبيا مذبذبة ومتأرجحة كعادتها بين هؤلاء وهؤلاء. بطن التمساح الرخوه. الأنظار تتجه إليها وتتسابق عند نقطة البحر المتوسط المفصلية والحساسة. روسيا وبريطانيا وأمريكا. كانت اللجنة الرباعية قدمت ورحلت عام 1948 وأعدت تقريرها المطول في صفحات كثيرة. أكدت بأنها ليست قابلة للاستقلال قبل عشرة أعوام قادمات. ربما من الأفضل أن تظل يتيمة تحت رعاية الكبار. الأمم المتحدة تشهد اجتماعات متواصلة لا تنقطع بشأنها. رأت في ليبيا مسألة حساسة لا تحتمل المزيد من التعقيد. يلوح في الأفق مشروع للتقسيم والوصاية عبر بيفن الإنجليزي وسفورزا الإيطالي. يرفض ويدان. الليبيون يمضغون الحزن ويشربون سجائرهم في بقايا إطلاقات الرصاص الصدئة ويتحدثون عن مستقبل الأيام.. هل (يصير منها ليبيا وتصبح شيئا مذكورا).. ذلك هو السؤال الصعب والحائر وسط دوامات العجاج واستلام الهبات وجرعات الجدري والتيفود والصراع مع البق والقمل.
الأمير إدريس يعلن استقلال برقة في الأول من يونيو وفي سبتمبر يعلن دستورها ويشكل أولى حكوماتها ويشير للآخرين في الخارج والداخل بأن ذلك خطوة نحو استقلال ليبيا المريضة وقد يشكل ضغطا غير منظور على القوى الكبرى ومنها حليف وصديق نحو المزيد من الانتباه إلى هذا البلد المترامي الأطراف.
العام 1949 والصيف ورمضان معا اجتمعا في بنغازي. وحصل ما حصل. منذ خمسة وسبعين عاما. كان الصيف ساخنا ورمضان نهاره طويل وليله قصير يمضي سريعا حتى السحور في المرابيع والمقاهي الشعبية المنتشرة هنا وهناك في المدينة الصغيرة وما حولها. والأخبار لا تنقطع والأيام تأتي بالعجيب على الدوام.
الجمعة الثامن من يوليو بعد منتصف الليل يطرق باب الأمير في قصر المنار ثلاثة من الشباب وصلوا من مصر عبر الطريق البري. لم يبلغوا الثلاثين من أعمارهم. أحدهم يعمل محاميا وهو محمود الشربيني ويمكن أن يكون أكبر منهم قليلا والاثنان الآخران: عزالدين إبراهيم وجلال سعده ما يزالان طالبين في كلية الآداب في جامعة فؤاد (القاهرة الآن).
شباب نالهم تعب الطريق مع الخوف والترقب لجأوا إلى بنغازي الصائمة والساخنة.. إلى الأمير الذي كان مهاجرا في بلادهم منذ فترة قريبة وعرف هناك أجواء السياسة والأحزاب والصراع اليومي مع القصر والحكومة. الباشاوات والأفندية.
الصحف والمنتديات. لقد قطعوا في رحلتهم عبر أيام مسافات أغلبها قاحل بعد أن تركوا النيل والخضرة خلفهم. بعيدا عن حراس الحدود والملاحقة. يتخفون ويظهرون.
كانوا في خوف دون شك. مغامرة لا يعرفون منتهاها. هم من شباب الأخوان المسلمين في القاهرة. اتهموا بقضية تتعلق بتخزين كميات من الأسلحة في أحد الأحياء وطالتهم تهمة أكبر بأنهم خططوا سرا للدخول إلى القصر واغتيال الملك فاروق. عرفت القضية أيامها بقضية الأوكار.
لا علاقة لها بما حدث في اغتيالات الخازن دار والنقراشي باشا. ربما الأمر لديهم وصل إلى قناعة تتعلق بالثأر لمقتل المؤسس حسن البنا في فبراير الذي مضى. وظلت القاهرة يومها تموج بالحراك والعنف والسلاح والاغتيالات وسيلة للحوار السياسي. كانت أعوام العهد الملكي تقترب من المغيب. ثلاث سنوات أخر ويصل الضباط الأحرار لكي يرسلوه في المحروسة من رأس التين وينهوا ذلك العهد. تلك نتيجة طبيعية لمجريات الأمور التي غذتها الصراعات والأسلحة الفاسدة وحرب فلسطين وتنازع الأحزاب.. وإعادة تشكيل العالم بعد الحرب. نهاية الأربعينيات تستشرف عالما آخر مع منتصف القرن العشرين. ظلت فلسطين جرحا غائرا في الجسد سيبقى ينزف بغزارة في كل المنطقة ويكون مدعاة للأخذ بأسباب علاجه عبر كل تغيير سيحدث.
الأخوان الشباب الثلاثة هاهم في بنغازي التي لم تعرف من قبل وحتى في مستوى ليبيا كلها شيئا من هذا النوع على وجه العموم. المجتمع في أغلبه ساكن لكنه ينتظر ما يحرك راكده. اللجوء السياسي أو اللوذ بمدينة صغيرة مثل بنغازي ابتعادا عن الملاحقة والترصد والقبض والعقوبات شيء جديد، لكنه حدث وبصم المدينة أو الواقع الليبي إجمالا بمفهوم سياسي لم يلاحظ كما أشرت في فترات مضت.
عند وصولهم وهم ما زالوا ينفضون غبار الطريق كتبوا للأمير استغاثة بضرورة قبولهم لاجئين وتحت حمايته. كانت بخط عز الدين إبراهيم أحسنهم فيما يبدو تعبيرا وكتابة. استلمها الأمير مباشرة. وافق. وأسكنهم في قصره وشدد عليهم الحراسة. في اليوم التالي غادر إلى لندن. وانتشر خبرهم في مرابيع وشوارع المدينة ومقاهيها وسهرات رمضان. ورأوا في خطوة الأمير علامة دالة على الشهامة وإظهار النخوة وإغاثة الملهوف وإكرام الضيف. كان المجتمع يدرك مصطلح (النزالة) واحترامها وتقديرها مهما كانت الأسباب والظروف.
أرسلت مصر الضاجة بالصراع والتي افتقدت وجود الشباب الثلاثة بعثة بتعليمات من الملك فاروق لإعادتهم فهم متهمون وأصحاب سوابق. اتصل القنصل المصري في بنغازي وأجرى محاولات لم تهدأ لتسليمهم. تعقبت السلطات المصرية عن طريق أعوانها من المخبرين الشباب الثلاثة وحاولت اغتيالهم وسط بنغازي. المباحث قبضت على الطرف المحلي الذي قبض الثمن ولم تنجح المحاولة.
حمت السلطات رغم قلة الإمكانيات أولئك اللائذين بالأمير. ردت سلطات مصر بالقبض على اثنين من تجار بنغازي وجعلتهما رهينة لديها وهما.. بشير لنقي وعبدربه الغناي. أزمة سياسية صامتة ولكنها ظهرت إلى العلن وسادت الأجواء في بنغازي والقاهرة. تلك أيام 1949.
الأمير ليس إخوانيا رغم سوء الفهم أو اللبس المقصود في موضوعة الأخوان السنوسيين ونظامهم في الطريقة السنوسية والأخوان المسلمين كتنظيم يختلف تماما عن الأول.
الأمير طوال حياته لم ينتم إلى تنظيم سياسي. عاش في مصر أعواما وخبر قتال الأحزاب في الجرائد والبرلمان وقاعات الفنادق والمظاهرات التي تسيل فيها الدماء لكنه قبل الاستغاثة بدافع المروءة وحماية الضيف.
لم يأبه لطلب السلطات في مصر، وهنا نشأت حساسية بينه وبين فاروق الذي اعتبر الأمير درويشا لا يفهم في السياسة وصراعاتها.
يستقر الثلاثة في بنغازي بالرغم من كل العواصف. يتحلق حولهم المزيد. ينتقلون من القصر إلى شقة في ميدان البلدية تظل مكانا يعج بالنشاط الجديد الذي ستشهده المدينة. الشقة تطل على الميدان حيث المقهى التجاري وفيه تدور نقاشات وحوارات حول مستقبل البلاد.
ويبدو الجامع العتيق ومقهى العرودي وفوقه سكن بدوسا وبجواره شقة الفنان علي الشعالية وأخرى ستكون بعد عشرين عاما شاهدا على لقاءات لمعمر القذافي مع أحد رفاقه في تنظيمه المدني. وفي الميدان مكتبة ومطبعة لشاب تأسره دعوة الشباب ويتحمس لها من فوره بحرارة. ودار عرض ومقر البلدية.
ميدان سيشهد صراع الفكر والحراك والنشاط بلا توقف. فراغ كان ملموسا سيملؤه حضور الشباب القادم من طمي النيل إلى سباخ بنغازي منذ خمسة وسبعين عاما وسط القيظ اللاهب ورمضان بنهاراته الطويلة. لوحة جديدة تتشكل في أفق بنغازي التي يغمرها الفراغ.
فهل حدث النجاح المطلوب في الخطوات المقبلة على الطريق؟!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات