Atwasat

رحلة البحث عن أمل ضائع

جمعة بوكليب الأربعاء 17 يوليو 2024, 02:16 مساء
جمعة بوكليب

في وقت مضى، كتبت مقالة بعنوان «زمن الرواية الليبية» نُشِرت في موقع جريدة بوابة «الوسط». كان المقصود منها الاحتفاء بعدد من الروائيين الليبيين الجدد من الجنسين، ممن ظهروا فجأة في الساحة، ودخلوا عالم الرواية من بابه الأمامي الأوسع، وقدموا إبداعات روائية متميزة، أثارت إليها الانتباه، ولفتت إليهم الأنظار. وجرى كل ذلك في وقت قصير نسبياً. ولم يكن المقصود بالوصف «كما اعتقد خطأ البعض» أن يكون نعياً بانتهاء زمن القصة القصيرة الليبية

الجميع على علم مسبق بما أنجزه، وما ينجزه من إبداعات قصصية مذهلة، كتَّاب القصة القصيرة في ليبيا. تلك الإنجازات الإبداعية، وضعت القصة الليبية على رف خاص بها في المكتبة العربية.

ما يميز القصة الليبية القصيرة أنها تمكنت على يد الرواد من كتَّابها، من وضع أساسات عميقة ومتينة. مكَّنت كل جيل جاء من بعدهم من البناء فوقه بثقة وبتميز وخصوصية. فتطاول البنيان عالياً في سماء الإبداع، وفي الوقت ذاته، ضيّق المجال أمام القاصين الشباب الجدد، ممن حاولوا خوض غمار كتابة القصة القصيرة. بمعنى أنه كان لزاماً على كل قادم جديد إلى ذلك العالم، برغبة الانضمام والمشاركة في رفع البنيان القصصي الليبي، أن يكون على قدر عالٍ من الموهبة تؤهله لنيل ذلك الشرف.

وها هو قادم جديد إلى عالم القصة القصيرة الليبية، اسمه جمال الزائدي، يسعى إلى إضافة لمساته الإبداعية القصصية، على أمل أن يجد له موطيء قدم إلى جوار من سبقوه، ويتمكن من ترسيخ موهبته القصصية، ويزيد في رسوخ وعلو بنيان القصة الليبية.

قبل هذه المجموعة القصصية الأخيرة: «إصبع سبابة لحياة مخترعة»، الصادرة مؤخراً عن دار السراج الليبية- طرابلس، قرأت له مجموعة مقالات، نشرها في كتاب بعنوان «إيفيكوات». وأعقبها بنشر كتاب آخر، بعنوان «هدرزة قهاوي».

في الكتابين المذكورين أعلاه، لاحظت أن جمال يكتب مقالاته الصحفية بنفس قصصي واضح. ويبدو أكثر تجلياً في كتابه الأول «إيفيكوات». وهو مصطلح شعبي ليبي، يطلق على حافلات نقل ركاب صغيرة الحجم «ميني باص».

وكنت أتساءل لماذا لا يتحول جمال الزائدي إلى كتابة القصة القصيرة؟ فهو- وإن لجأ إلى كتابة المقالة الصحفية- كونه كاتباً صحفياً- قاص موهوب ومتمكن «على سن ورمح» كما يقول إخوتنا المصريون. يمتلك أدواته، وبعينين كعدستين قادرتين على الالتقاط الذكي لتفاصيل ما يدور أمامه وحوله. ترفده لغة سلسة تستجيب بجمال لعواطفه وأشجانه وتنقلات مشاعره وأحاسيسه، وتستحوذ على انتباه القاريء، وتشده إليها. والأهم من ذلك أنه يمتلك قلباً ينبض مع إيقاع نبضات الناس الذين يرافقهم يومياً إلى مقر عمله، في تلك الحافلات الصغيرة الشعبية، في واقع يطحنهم. ويعبر، بجمال فني آسر، عن معاناتهم وأحزانهم وطموحاتهم وأحلامهم وانكساراتهم، وينقل القاريء إلى وسط تلك الأجواء بتفاصيلها الكثيرة المحزنة.

في قراءتي لهذه المجموعة اخترت لها عنوان: «رحلة البحث عن أمل ضائع». وبالطبع، لا علاقة للعنوان برواية: «البحث عن الزمن الضائع» للروائي الفرنسي مارسيل بروست. اختياري للعنوان، جاء من خلال قراءة سريعة لقصص المجموعة. إذ تبين لي من خلالها أن هناك خيطاً، أو سلكاً يشدها إلى بعض، مهما اتسع اختلافها. ذلك الخيط أو السلك يجمع شخصياتها مع بعض، في بحثهم عن أمل مفقود، في حياة غير آمنة يعيشونها بلا بوصلة، وفي واقع لم يعايشوه من قبل، هو أقرب ما يكون إلى «مولد وصاحبه غايب». واقع حياتي مرتبك بشدة الفوضى، ومختل التوازن إلى حد الفانتازيا. ويبدو ذلك ملحوظاً.

فشخصيات القصص أناس عاديون مطحونون، يحاولون جاهدين الوقوف على أقدامهم في وجه محن وعواصف الحياة والزمن. أحلامهم مجهضة، وأرواحهم متعبة ومرهقة، يصارعون، نهاراً وليلاً، أمواجاً هادرة في بحر لم يألفوه، لإبقاء رؤوسهم فوق سطح الماء، حتى لا يغرقوا.

من الممكن أن تكون القصة التي تحمل عنوان المجموعة (إصبع سبابة لحياة مخترعة) أفضل مثال. كونها «الثيمة» التي تبدو لي أكثر وضوحاً في قصص المجموعة. ومحاولة بطل القصة العجوز المتقاعد المحتضر، وهو يرى نفسه يعيش على الهامش، عائلياً، ومحاولاته العبثية لاستعادة حياته، لكي يعيشها من جديد، وتصحيح أخطائه، وليشارك في شؤون عائلته التي تجاهلها خلال سنوات عمره المهنية، ثم أمنيته المتأخرة والمستحيلة، لو أنه يتمكن من رفع إصبع سبابته كي يرسم مستطيلاً في الفراغ، ويخترع حياة جديدة، يعيشها بديلاً لتلك التي أضاعها، أو ضُيعت منه!

رحلة البحث عن أمل ضائع، هي في الوقت ذاته رحلة البحث عن أمن ضائع، ووطن مفقود. وهي رحلة لا تخص جمال الزائدي وشخصيات قصصه، بل هي، في رأيي، تتجاوزهم جغرافياً، لتكون محنة كل الذين فقدوا أوطانهم، أو سُرقت منهم.

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»