Atwasat

العقل السياسي العربي وأمراضه الوراثية

عمر الكدي الإثنين 15 يوليو 2024, 03:34 مساء
عمر الكدي

في كتابه «العقل السياسي العربي محدداته وتجلياته» لم يأتِ الجابري بجديد، فقد استعار ثلاثية ابن خلدون في مقدمته «العصبية والدعوة الدينية والغنيمة»، كما استعار «اللاشعور السياسي» من المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، الذي بدوره استعاره من عالم النفس النمساوي كارل يونغ، ومنذ أن تعرفنا على مقدمة ابن خلدون عن طريق المستشرقين، أدركنا أن العقل السياسي العربي يكرر طوال التاريخ ما حدث في المرة الأولى، وتحديدا بعد الفتنة الكبرى، كما نقل كل أمراضه الوراثية من جيل إلى جيل حتى الآن، وإن توهمنا أن الأيديولوجيات الحديثة ستقودنا إلى أفق آخر، إلا أن نتائج الربيع العربي تؤكد ثبات هذا العقل، وكأنه يعاني من قصور ذاتي يمنعه من التطور، حتى المعركة بين الجابري وطرابيشي تحولت طوال ربع قرن إلى معركة سياسية. تركت أشلاء وحطاما ولم تترك أفكارا يمكن البناء عليها.

الجابري الذي انتمى منذ فتوته الأولى لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ذي النزعة اليسارية، حتى أصبح منظر الحزب وكاتب بياناته الرسمية، وظل من قيادات الصف الأول للحزب حتى مطلع الثمانينيات، عندما ابتعد عن الواجهة وتفرغ لمشروعه الكبير، ورفض كل المناصب التي عرضت عليه في حكومة عبدالرحمن اليوسفي، أما جورج طرابيشي فقد تقلب بين الكثير من الأيديولوجيات، فمن حزب البعث والفكر القومي الثوري إلى الوجودية إلى التحليل النفسي إلى الماركسية، والفارق المهم بين المفكرين أن الجابري منذ البداية اهتم بالتراث العربي، بينما درس طرابيشي الفكر الأوروبي، وترجم أعمال الكثير من الفلاسفة والمفكرين والنقاد والروائيين الغربيين، ومن مدير لإذاعة دمشق في مطلع الستينيات، إلى صحفي وكاتب غزير الإنتاج في بيروت، ثم أجبرته الحرب الأهلية اللبنانية على الهجرة إلى فرنسا.

وهناك اكتشف أن كل ترجماته لا جدوى منها لعقل يرفض أي تغيير، وخاصة عندما استقبل كتاب الجابري الأول «تكوين العقل العربي» بترحاب شديد، ثم انقلب عليه وهاجمه طوال ربع قرن بسلسلة من الكتب تحت عنوان «نقد نقد العقل العربي»، ولكن المعركة تحولت إلى معركة سياسية بين المشرق والمغرب، فكل ما ينتجه العرب من فكر هو انعكاس لولائهم السياسي، مثل الشعير الذي يدور ويدور ويعود إلى قلب الرحى.

الجابري يستنتج أن كبوة العقل العربي هي اعتماده للعقل العرفاني، والعقل العرفاني مؤامرة فارسية استخدمت فيها العقائد الباطنية والهرمسية لدفن العقل البرهاني، أما طرابيشي فيرى أن كبوة العقل العربي تعود إلى أسباب داخلية وليست خارجية موجودة في بنية العقل نفسه بكل تجلياته.

وإن اتفق الاثنان على تشخيص هذا الداء. الجابري بهدوء وبشواهد من التاريخ، وطرابيشي بصخب، وخاصة في كتابه الأخير «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث»، ولاشك أن هذه المعركة التي تجاهلها الجابري هي أنضج معركة فكرية في عصرنا الحاضر، ولم نشهد معركة توازيها باستثناء ما نراه على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تختفي المعايير ويأتي إلى السوق تجار من كل صوب.

المعركة سياسية منذ اللحظة الأولى وحتى الآن، وكل الأقنعة التي استخدمت من فكرية وفلسفية وفقهية، هي مجرد أصباغ للوجه الصفيق نفسه. لم ينقسم المسلمون بعد معركة صفين انقساما عقائديا مثلما حدث في المسيحية واليهودية، بل انقسموا سياسيا. التيار الأكبر قال إن الأئمة من قريش وهم السنة، والتيار الثاني قال إن الأئمة من آل البيت وهم الشيعة، والتيار الثالث قال إن الإمام أو الخليفة من جميع المسلمين بغض النظر عن قبيلته وعرقه.

ثم حاول كل تيار البحث عما يؤيد وجهة نظره في القرآن، فإذا لم يجد بحث في السنة النبوية، فإذا لم يجد اختلق أحاديث نبوية تزكي وجهة نظره السياسية، ومع الدولة الأموية والعباسية أصبح لدينا إسلام آخر كما أكد طرابيشي، هو إسلام يعود إلى الحديث وليس للقرآن، ومع تطور الفكر وظهور علم الكلام وترجمة الفلسفة اليونانية، تحولت المعركة إلى معركة فكرية ولكنها تخفي أهدافها السياسية. ظهر علم أصول الفقه على يد الشافعي لينتصر للخلافة العباسية، وعندما اختفى الإمام الثاني عشر في المذهب الشيعي الحسن العسكري، قال أنصاره إنها الغيبة الصغرى، وبعد سبعين عاما قالوا إنها الغيبة الكبرى وسيعود في آخر الزمان، وظهرت عصمة الفقيه ومن على منابر الأمويين كان الخطباء يشتمون الإمام علي، ومن على منابر العباسيين كان الخطباء يشتمون الأمويين والشيعة والخوارج.

وهذا ما جرى بين الأحزاب العربية في القرن العشرين، فقد ذبح الشيوعيون البعثيين في العراق كما أن البعثيين ذبحوا الشيوعيين، وشاهدنا كيف انقسم الرفاق الماركسيون في جنوب اليمن، وها نحن نشهد حربا ضروسا في السودان بين إسلاميي الأمس، وكل الأنظمة العلمانية والجماهيرية وسلطة الشعب تحولت إلى أنظمة وراثية، وفي أول انتخابات تشهدها ليبيا بعد أكثر من نصف قرن، استغل بعض خطباء المساجد يوم الصمت الانتخابي، وصادف يوم جمعة، المنابر لدعوة المصلين لعدم التصويت للتيار الوطني، وأن يصوتوا للإسلاميين. إذا لم نخرج الدين من السياسة، ونعتبر أن السياسة حقل إنساني يجوز فيه الاجتهاد والتوفيق والإخفاق، سنظل نكرر نفس العقل، وستظل كل دعوة فكرية خلفها أغراض سياسية، وكل دعوة سياسية خلفها جماعة دينية تسعى للانفراد بالسلطة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»