غير بعيد عن قرية «نسمة» الوادعة والواقعة بين بني وليد ومزدة، أي بين «رقاصة الثور» كما عرف أهل بني وليد وبين «صناع البارود» كما كان سكان مزدة، لم أكن أشعر بأنني أقف في مفترق طرق كما تعودت أن أشعر كلما وقفت في أي نقطة من ليبيا الشاسعة، حيث ظلت كل النقاط في الجغرافيا الليبية ليست إلا مفارق طرق تؤدي بك إلى الشمال والجنوب والشرق والغرب، لكل نقاط الأرض تلك الميزات تقريباً، ولكنني ظللت أحس بأن البلاد ليست إلا معابر مفتوحة على كل الاتجاهات، وقابلة للعبور في كل الظروف والأوقات وكل ذلك جعلها بلداً مفتوحاً ومنغلقاً في الوقت نفسه.
في ذلك الوادي حيث تنتصب نقاط حراسة فرقة «أوغسطا الرومانية» منذ أكثر من ستة عشر قرناً كخط دفاع روماني عن لبدة وصبراته وأويا الرومانية، وضد غزوات الجرمنت وسكان هذه التخوم، التي كنت أقف وسط أحد أوديتها وحيث لم يداهمني قلق المعابر والعابرين فاجأني رفيقي «البوسيفي» قائلاً: هل تريد زيارة الغوث؟
«الغوث»؟ قلت له مندهشاً فهز رأسه مؤكداً.
الغوث أعلى مرتبة يصل إليها المتصوف بكده وعلمه وعمله، فأي غوث هنا وسط هذا الوادي؟ وأي مدرسة أوصلت هذا الغوث إلى هذه الدرجة؟
قال البوسيفي: هنا في نسمة ووديانها ولد وكبر وتعلم وتعبد الغوث.
توجهت ورفيقي إلى «الغوث» الذي لم يكن بعيداً. لم نسر إلا مسافة قصيرة وسط الوادي ثم بدأنا بالصعود نحو كهف بمنتصف الجبل حتى بلغناه، كان مدخل الكهف صغيراً مما جعلنا ننحني كي نستطيع الدخول، كان الكهف منحوتاً على نحو ممتاز رغم خشونة جدرانه، حتى بدا لي الاتكاء عليها لإراحة الظهر مستحيلاً لخشونة ذلك المتكأ كان الظلام أمامنا، وكانت الشمس خلفنا ولا يصلنا من نورها إلا انعكاسات خافتة لنور مبهر كان يغمر الوادي، كان على الداخل لهذا الكهف أن يلقي بالوادي، وبالزرع والضرع خلف ظهره ويدخل العتمة ثم الغبش ولا يجد أمامه إلا القبلة للصلاة.
كان دخول كهف الغوث بداية نفق مظلم، لذا فلابد أن يتردد الهام بالدخول للحظات ليدخل بعدها أو يلتفت إلى الوادي ويعود، بالتأكيد ثمة من دخل للاستطلاع والمعرفة كما كنت أفعل في تلك اللحظات، ولكن ماذا عن ذلك الذي دخل للمكوث في هذا البرزخ المظلم، بين الوادي والزرع والضرع وبين ما وراء الظلام من شموس؟
كان الغبش ورعدة رهبة ونظر يرتد إليك وهو حسير، وكنت وعلى غير ما كنت من غرور وخشونة.
خرجت متقهقراً وضئيلاً، وحين استدرت باحثاً عن الوادي والزرع والضرع أغشت بصري شمس الوادي، جلست للحظات على صخرة عند مدخل الكهف حتى استعدت بصري وحين نهضت اكتشفت أنني كنت أجلس على إرث الغوث كاملاً، كان ثمة رقش كرقوش فناني ما قبل التاريخ بالأكاكوس، كان ثمة مربع ومثلث ثم شمس كبرى مرقوشة بعناية ومعاناة على تلك الصخرة، أدركت أن الغوث أمضى أعواماً هنا متعبداً ومتأملاً راقشاً كل مقاماته التي بلغها على هذه الصخرة.
الغوث وككل الليبيين لا يحملون معارفهم ومقاماتهم خارج كهوفهم منذ رسامي ما قبل التاريخ الليبي وحتى الآن، بل إن بعضهم لا يخرجها حتى من صدره إلا كآهة حارة.
ربما كنت أكتشف أحد أركان خصوصيتنا، «أن نبخس أشياءنا».. أن نخجل منها ونخفيها.
على هذا النحو ظل الليبيون ينكمشون نحو دواخلهم، يخبئون خصوصياتهم الثقافية ويرونها أمراً خاصاً وشبه سري، وربما لا يليق ولا يستحق. ظل إنتاج «الكفاف» لحياة الكفاف والزهد.
ربما لأن هذه الأرض ظلت ولآلاف السنين محتلة من أقوام غريبة ومحكومة بقوانين وثقافة ذاك الاحتلال الطويل ما جعل أهلها الأصليين يخشون على هويتهم وخصوصيتهم الذوبان والتلاشي في هوية الآخر فيحصنونها بانغلاق صارم، يحيطونها بأسوار بقلاع وجدران من العزلة والانكماش.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات