Atwasat

النظام المعرفي في الفكر العربي

عمر الكدي الإثنين 08 يوليو 2024, 05:40 مساء
عمر الكدي


يقسم المفكر المغربي محمد عابد الجابري في مراجعته للتراث الإسلامي العقل العربي إلى ثلاثة أنظمة، نظام البيان والعرفان والبرهان، ويرى أن نظام البيان ولد داخل الثقافة العربية، أما نظام العرفان فجاء من بلاد فارس والإسكندرية البطلمية، بينما جاء نظام البرهان من الإغريق ومن أرسطو تحديداً.

نظام البيان، وفقاً للجابري، مرجعيته اللغة العربية، فالقرآن جاء باللغة العربية ولتفسير ما غمض من كلماته لابد من العودة إلى الشعر الجاهلي، وبالتالي فالمرجع في هذا النظام هو البدوي، فعندما قُعدت اللغة عاد اللغويون إلى ذلك البدوي، وفي هذا الصدد يقول الجابري إن هذا النظام يستند على الانفصال والتجاور وليس الاتصال، فكل شيء في الفضاء الصحراوي منفصل. البيئة تتكون من ذرات الرمال، وبيوت الشعر منفصلة ومتجاورة، وهذا ما انعكس على بنية القصيدة العربية، فبيت الشعر يشبه بيت الشعر «الخيمة»، فالأبيات والبيوت منفصلة ومتجاورة ومتشابهة، والعجيب أن التشبيه غلب على الشعر الجاهلي أكثر من الاستعارة والكناية التي غلبت على الشعر العباسي. في النقد الأدبي استخدمت نفس المفردات التي تستخدم لبناء بيت الشعر البدوي، مثل الإقواء والإطناب والقصيدة المرجلة والمحجلة. المعلقات السبع التي قيل إنها علقت على جدران الكعبة ظلت هي المرجع للشعر، وعندما قُعد الفقه قُعد على نفس الأسس، وهي قياس الشاهد على الغائب، وعند تدوين الأحاديث النبوية كان على الرواة العودة إلى آخر شخص سمع الحديث من الرسول، ومراجعة سيرة كل شخص للتأكد من مصداقيته.

أليس هو نفس النظام الذي خضع له البدوي آلاف السنين؟ فالبدوي لا تاريخ له وإنما له أيام تذكر فيها الأحداث ولا يذكر الزمن، والبدوي يكرر ما فعله الجد الأول في حله وترحاله وفي رزقه ومعاشه، ونظام القيم ثابت لا يتغير فعلى اللاحق تقليد الغائب، وإنه عالم من الترحال والانفصال الدائم، ولذلك استهل الشاعر الجاهلي قصيدته بالبكاء على الأطلال، ثم ينتقل إلى أغراض أخرى.

في النحو جرف هذا النظام سيبويه القادم من بيئة مختلفة، فهو الذي رفع الفاعل ونصب المفعول به وقبله كانت العرب ترفع وتنصب بشكل تلقائي فاللغة كانت شفوية مثلما نطقها الجد الأول، ودائماً كان هناك ما يقاس عليه. أكرم من حاتم الطائي، أشجع من عنترة، أوفى من السمؤال، وأبلغ من النابغة الذبياني.

يعد الجابري أن النظام العرفاني كما تجلى لدى التيارات الباطنية الغنوصية والصوفية، نظام تنقصه القرينة وينزلق إلى المطابقة ومتدنٍّ عقلانياً، وربما يعود ذلك إلى لغة هذا النظام المبهمة، كما نجدها في فلسفة ابن سينا والفارابي، وتصوف الحلاج والسهروردي وابن عربي، فاللغة هنا مجازية تعتمد على الاستعارة والكناية، وعكس التشبيه الذي يقيس على المشبه به، تعتمد الاستعارة على مقارنة شيئين لمعرفة الاختلاف وليس التطابق، أما الكناية فهي لفظ لا يقصد منه المعنى الحقيقي يراد به معنى مختلفٌ عن معناه الأصلي، وفي العلوم انتقلت الخيمياء التي كانت تسعى لتحويل المعادن الخسيسة إلى معادن شريفة، إلى علم الكيمياء الذي فتح أفقاً جديداً لا حدود لإمكاناته، فجابر بن حيان بدأ خيميائياً يسعى لتحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب، وفجأة انتقل إلى أفق جديد وأسس علم الكيمياء، الذي يعتمد على التجربة في خلط المواد للخروج بمركب جديد، وليس لقياسه على نموذج أصلي بعيد مثل الذهب، وهذا يعني أن ابن حيان انتقل من نظام معرفي إلى آخر، ومعظم إنجازات العلماء المسلمين في الطب والفلك والجغرافيا والصيدلة والرياضيات وغيرها، ما كان لها أن تظهر لولا انتقالهم من نظام البيان والعرفان إلى نظام البرهان، ونظام البرهان جاء من المنطق الأرسطي، ويرى الجابري أن هذا النظام يحكمه الاتصال، ويرجع ذلك إلى بيئة الإغريق البحرية، حيث أمواج البحر متصلة على دفعات، فلكل سبب مسبب ولكل علة معلول، فالفكرة تقارن بنقيضها وليس بما يشبهها، وعندما انتقل هذا النظام إلى العرب ظهر مفكرون عظماء، أمثال ابن رشد في الفلسفة وابن خلدون في التاريخ والاجتماع، والشاطبي في الفقه وابن حزم وابن ماجة وابن الطفيل. نلاحظ أن أغلب هؤلاء المفكرين جاءوا من الأندلس وليس من المشرق والمغرب، فهل أثرت البيئة مرة أخرى في هؤلاء المفكرين، أم أن الفلسفة اليونانية وخاصة أرسطو بمنطقه الصارم منح هؤلاء أداة جديدة للقياس تختلف عن النظامين السابقين؟

اعتمد الجابري على المنهج البنيوي في الفلسفة في تحليل بنية العقل العربي، وخاصة أعمال الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، وهي مساهمة كبيرة حاولت الابتعاد عن المراجعات السابقة للتراث، غلبت عليها النظرة السلفية لدى الإسلاميين، أو الأيديولوجيا الماركسية لدى حسين مروة في كتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية» والطيب تبزيني في معظم كتاباته، أو الأيديولوجيات القومية عند حسن حنفي في كتابه «التراث والتجديد» وآخرين، ولا يزال مشروع الجابري إلى جانب مساهمات المفكر الجزائري محمد أركون هي الأكثر نضجاً، بالإضافة إلى الملاحظات التي وجهها المفكر السوري جورج طرابيشي لمشروع الجابري.

الفقهاء وأهل الحديث خضعوا لنظام البيان. المتصوفة والفيلسوفان ابن سينا والفارابي خضعوا لنظام العرفان، وابن رشد وابن خلدون ومعظم مفكري الأندلس خضعوا لنظام البرهان، ولكن هناك من خضع لنظامين دفعة واحدة مثلاً ابن سينا الطبيب خضع لنظام البرهان وابن سينا الفيلسوف خضع لنظام العرفان، وحتى ابن رشد خضع لنظامين، فهو فقيه وقاضٍ بالنهار يخضع للبيان وفيلسوف بالليل يخضع للبرهان، وابن خلدون باستثناء المقدمة التي خضعت لنظام البرهان، فتاريخه مزيج من النظامين.

ترى لأي نظام معرفي يخضع العرب اليوم؟ العرب اليوم لم يغادروا العصر العباسي وفقاً للتحليل الإبستمولوجي، سوى أنهم يستخدمون كل منتجات التكنولوجيا الحديثة. إنهم يخضعون للأنظمة الثلاثة دفعة واحدة، حتى الذين تخصصوا في تخصصات دقيقة، ما إن يغادروا المختبرات العلمية، حتى يخلعوا ملابس الطبيب والمهندس والتقني، ويلبسوا جبة الفقيه أو جبة الدرويش. عملياً كل الأنظمة الحاكمة مهما كانت أيديولوجيتها، إسلامية قومية أو علمانية أو مزيجاً من جميعها انتهت إلى حكم عائلة تستند إلى القبيلة أو الطائفة، كأننا فعلاً في العصر العباسي مرة يأتي مستنير مثل المأمون فتنتعش الثقافة والفكر، ومرة يأتي الواثق والقادر بالله فيُسجن المثقفون والمفكرون ويُحرر الفقيه. يبدو لي أن سبب عدم رد الجابري على نقد جورج طربيشي لمشروعه الفكري، هو يأس الجابري من إصلاح هذه الأمة، فصمت حتى وفاته وكأنه سعد زغلول يعود للحياة ويقول لزوجته «ما فيش فايدة يا صفية».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»