أفرد السيد عبدالمنعم الهوني في حواره المتلفز ببرنامج «الشاهد»، الذي تحرص على بثّه له ولأمثاله فضائية «ليبيا الأحرار»، مساحة ملحوظة لخطاب زوارة الذي ألقاه العقيد معمر القذافي بأبريل 1973 تزامناً مع المولد النبوي، وفي الأجواء التي تلت إسقاط الطائرة الليبية بسلاح الطيران الإسرائيلي في صحراء سيناء، ووفاة راكبيها جميعاً، حيث خرجت بنغازي كاملة في هتاف واحد «هذي الوحدة اللي نبوها من فوق القنال خذوها»، ويعم البلاد قاطبة غضب مكتوم ووجوم لم يفجره سوى ذلك الخطاب الذي أعلن فيه القذافي، المرتدي ملابسه العسكرية، نقاطه المتمثلة في تعطيل القوانين، وتطهير البلاد ممن دعاهم بالمندسين والمرضى والحزبيين ومعرقلي العمل الثوري، والإيعاز إلى الأمن الداخلي بسجن المئات ممن تنطبق عليهم الصفات المذكورة، حيث اقتيدوا إلى المراكز المشهورة في المدينة، والخالية من أي استعداد، لينطبق عليهم الإيقاف مع أي كان، ليقول إنه وزملاءه قد فوجئوا بالخطاب، إذ إنه لم يعد يذكر استدعاءه العقيد محمد الغزالي، بحضور السيدين مصطفى الخروبي والخويلدي الحميدي، حيث كلف الغزالي بتأسيس جهاز الأمن الداخلي.
وعلى قاعدة أن العهد الثوري لا يريد ظلم أحد ولا يقبل العبث من أحد، ينتهي ذلك التكليف بتقديم صورة عن فترة ما قبل سبتمبر مُقَسمة إلى أ وب وج، حملت من اشتُبِه فيه سياسياً دون أن يقدموا على تأطير نشاطهم، وآخرين دخلوا النشاط العملي وتراجعوا دون أن يخاطبوا السلطة، وثالثهم عملوا ولا يزالون يعملون.
كانت الأعمار مختلفة والمناطق أيضاً مختلفة، فشكلت مادة صالحة للتهريج الإعلامي والاتهام المجاني. ولوجود أعداد من الجبل الغربي، أمكن التبرع بالاتهام، وقد امتلأت المراكز بالمعتقلين، فصار حملهم إلى السجن المركزي حيث الحمّامات والأسِرّة تكاد تكون إفراجاً. وكان في زيارة الخويلدي المُكلَّف بالداخلية ما أعاد الأنفاس، لقد تبودلت المعلومات سريعاً، وأفادت الهتافات التي تلت خطاب زوارة بأن ما كان يقوم به فتحي الديب من إيفادات لمصر ليس من فراغ، وأن تدريب عديد الذين تؤدى بهم وحدانية القيادة لم يكن من فراغ، وأن الاتهام بتصفية المقريف له ما يبرره.
لقد ظهرت الصورة واضحة جلية من أن كل الشركاء لا بد أن يُحال دونهم ودون أي مقدرة على التحرك، وأن كل موت يطال الشركاء يصعب إرجاعه للقدر، ويحضرني منهم محمد الحاراتي الذي لقي حتفه في حادث مرور، وتأثر له الذين هزَّهم رحيله، ومنهم من كاد أن يظن باحتمال التدبير فيه.
أذكر شخصياً أنني كتبت عنه رثاء علمت أن بعضهم قد قرأه ولفت نظر غيره إليه، كما علمت ممن كانوا يرصدون ما نكتب عندما ضمنا السجن المركزي، وراجعنا الكثير مما كان يجرى، وكان أقسى الأمور علينا وجود عدد من غير الليبيين يدونون أسماءنا، وما إذا كانت لنا علاقات مع ضباط الجيش.
لقد كان الفارق كبيراً بين ممارسات قائدهم وبينهم، وكان الكثير مما يجرى يُشير إلى قرب تشتت الشمل، وأن ليس أمام أحد الطرفين سوى أن يبدّر بالغداء قبل موعد العشاء، وليس في ذكريات اليوم سوى إعادة ما تم بعد فوات الأوان، بما في ذلك الاستفادة المعرفية. بيد أن المسوغ للتدوين هو أن الشاهد لم يصمت بعد، وربما نُحفزه على التوسع ومزيد التوضيح.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات