Atwasat

التنظيمات السرية في الجيش الليبي 1952- 1969 (16)

سالم الكبتي الأربعاء 01 مايو 2024, 01:35 مساء
سالم الكبتي

.. وفي المقابل تلك الأيام، من الضفة الأخرى، كان ثمة من أدرك بطريقة مباشرة أو غيرها أن البلاد لا تحتاج في النهاية إلى تغيير عسكري على وجه العموم بعد أن لاحظ تسرب بعض هذه التنظيمات إلى صفوف الجيش.

لقد وقف هؤلاء على حقيقة مفادها أن ما يتم تنظيمه وتكوينه سيكون نذيرا خطيرا يفضي إلى أمر سيؤدي إلى إلحاق الضرر بمستقبل البلاد ومصالح الناس وأن ما يدور لا يحتاج إلى هذا الإجراء بقدر ما يحتاج إلى تعزيز الثقة في النفس وتنميتها لدى كل الأجيال مع خلق تجربة وطنية تنهض بالتحصين والحفاظ على ذلك المستقبل.

كان هؤلاء أيضا يرون أن ثمة دستورا موجودا تنبغي الاستفادة منه والتعويل عليه والمطالبة على الدوام بجعله نصب الأعين من قبل المسؤولين والمواطنين على حد سواء. وأن البلاد رغم كل ما يقال تتعرض إلى حملة من الافتراءات والتضليل.. وربما الحسد من جهة أخرى. وأن هناك بدايات لمشروع وطني سيتكامل بتظافر الجهود.

فلقد اعتنت الدولة بمداخيل البترول وعوائده الذي لم تصل مدة تصديره إلى الخارج واستفادة الخزينة العامة منه إلى عشر سنوات منذ أكتوبر 1961 وأن هناك أوجه صرف حقيقية تمر بالبرلمان ويراقبها وتبرز على الواقع في بوادر من النهضة والتطور التي تمر بها كل الدول. ثم إن ذلك كله لم يجعل هذه الدولة تتأخر في الوفاء بالتزاماتها ومساعداتها التي قررها الأشقاء عليها لمساندة المجهود الحربي في جبهات المواجهة مع العدو إضافة إلى الوقفات الأخرى التي مرت بها العلاقات والروابط مع الأشقاء.

هذا الجانب المقابل مثله خير تمثيل العديد من النخب أيضا خلال الأعوام الأخيرة من فترة النظام الملكي مع تزايد علمهم بوجود التنظيمات العسكرية داخل الثكنات. في مقدمة هؤلاء يقع عبد الحميد البكوش وعبد المولى دغمان وفاضل المسعودي ورشاد الهوني.. وغيرهم وهنا أذكر الأستاذ دغمان وكان رئيسا للجامعة الليبية أفصح لي بمرارة بأنه بعد وصول جعفر النميري وصحبه من العسكر إلى السلطة في الخرطوم عقب فترة من الحكم المدني لم تدم طويلا في 25 مايو 1969.. حل ببنغازي وفد يرأسه أعضاء قيادة الانقلاب وفي مقدمتهم الرائد مأمون عوض أبو زيد. كان الوفد سيقابل ولي العهد الأمير الحسن الرضا الذي ينوب عن الملك خلال وجوده خارج البلاد تلك الأيام. كان الهدف من زيارتهم التعريف بأهدافهم والغرض الذي دعاهم إلى التغيير وما قاموا به لصالح بلادهم والوعد بتسليم السلطة إلى المدنيين في أقرب وقت.

إن الذي جعلهم يصلون ليبيا لشرح وتبسيط ذلك هو أن ليبيا دولة مجاورة وتمثل مكانا حيويا لحركة السودان مع دول الجوار ولمسح الأفكار والدعايات التي رافقت انقلابهم بأنه يحمل صبغة حمراء لارتباطه بطريقة أو بأخرى مع الحزب الشيوعي صاحب التاريخ العريق في السودان. أتوا ضباطا من بلد مازال يخضع لنظام حظر التجول لتصحيح هذا المفهوم الذي انتشر تقديرا لمكانة ليبيا وقربها من السودان. أشار الأستاذ دغمان إلى أنه كان بحكم منصبه من ضمن المستقبلين الرسميين للوفد في المطار.

وعندما لمح هؤلاء الضباط الشباب ببزاتهم العسكرية ومظهرهم توجس من الأمر برمته واستشعر خطرا قادما يدور في الأفق. رأى بتفكيره، وهو الذي عاصر في دراسته الجامعية مطلع الخمسينيات في القاهرة انبهار الجموع بالضباط الشباب من حركة يوليو 1952 والتدافع حول مواكبهم والحماس الذي غلب على الواقع كل لحظة وعلى هذا القياس، فإن هؤلاء الزوار وأغلبهم رواد برتبهم ومشهدهم الذي يطل في المطار ثم في المدينة وعبر شاشات التلفزيون وأخبار الإذاعة ومقابلة ولي العهد نائب الملك سيكون مدعاة مؤثرة لدى البعض الذي قد يجد الفرصة مواتية للتأثر بهم ومحاكاتهم أيضا.. وتساءل بمرارة.. من يمنعهم من تحقيق هذا الذي يراودهم؟. لم يترك ذلك في صدره ونقل هذا الشعور المخيف لرئيس الحكومة شخصيا لأخذ الحيطة والحذر بعد الزيارة من تقلب الأجواء!

كانت التنظيمات تشتغل ذلك الصيف الحار وخاصة تنظيم الرواد الممتليء عاطفة وقومية وحزنا من آثار النكسة حولنا وما يشعر به الناس حيال قضية العرب الأولى. ولقد ظل المسؤولون بمن فيهم الملك نفسه يستشعرون أو يفعمهم الإحساس بوجود النية القوية للتحرك والتغيير وأنها ستأتي من الجيش ولا جهة سواه رغم أنه يبدو للأعين أنه في وضع هاديء ومستقر على امتداد ثكناته ومواقعه في البلاد.

لم يكن الملك عسكريا وكذا رجال الدولة أو النظام وحتى وزير الدفاع نفسه طوال الحكومات التي مرت بليبيا من العسكريين. لعل البعض اختير من صفوف الجيش أو البوليس وزيرا أو سفيرا أو مسؤولا على إحدى إدارات الدولة. السمة الغالبة للدولة لم تكن عسكرية على الإطلاق.

هذا الشعور الذي عم وطغى بأن التغيير قادم لا محالة من الجيش جعل من الملك أيضا بحكم تجربته وكبر سنه وعلمه بما يدور في مرافق الدولة، إضافة على التغيرات التي تحدث في المنطقة العربية والعالم من قبل الجيوش.. حاول أن يبادر أكثر من مرة لسد أي ثغرة مفاجئة.

فقد فاتح رئيس الحكومة السيد محمد عثمان الصيد بعد حركة التمرد في الجيش عام 1961 بإلغاء الجيش وحله واختصاره في قوات رمزية للحفاظ على الأمن الداخلي. لكن رئيس الحكومة ناقشه ولم يوافقه لأسباب كثيرة اقتنع بها الملك شخصيا ولكنه في مرات تالية وهو يستشعر قدوم التغيير والهزات والتبدلات في دول الجوار اجتمع بكثير من المسؤولين الذين يثق في شخصياتهم وقدراتهم وعرض عليهم إمكانية الشروع في تغيير نظام الدولة بانتقال السلطة سلميا إلى نظام جمهوري بديل أو مجلس سيادة يحكم البلاد وأكد على أنه يود احترام كبر سنه وعجزه فللسن عيوبها كما أشار ويرى أنه أيضا يأمل أن يحدث هذا في حياته ووجوده أفضل بكثير من وقوع البلاد في كماشة الانقلابات وتصيبها عدواها من دول المنطقة أو من بعض البؤر المتوترة البعيدة في العالم. كان يعرف أن التغيير يبهر الجميع ويتمنونه بلا حدود.

وسط هذه الظروف كان أيضا لدى البعض من السفارات والقنصليات ودوائر الاستخبارات العالمية المعرفة والاطلاع وفقا لما يردها من تقييم للأوضاع في ليبيا وحالة الملك وكذا تحركات ونشاطات هذه التنظيمات. كانت هذه الجهات تراقب الأمور بعينين مشرعتين إلى أقصى مدى.

إن المصادر والوثائق كثيرا ما تفيد على سبيل المثال بأن ديفيد نيوسوم السفير الأمريكي في ليبيا منذ صيف 1965 إلى صيف 1969 ظل من أكثر السفراء الأجانب الذين سمحوا لأنفسهم بالتحرك والاتصال المستمر بأطراف الدولة. لقد التقى الملك ودارت بينهما نقاشات حول مستقبل البلاد من بعده وما عساه أعد من تدابير لتلافي أي فراغ في البلاد. وإضافة إلى هذا سمح هذا السفير لنفسه أيضا بالتجول في مناطق البلاد القريبة والبعيدة ليلتقي بالكثير من زعاماتها وأعيانها وكان يطرح سؤالا واحدا مفاده: ماذا أعددتم لذلك. ما هي الرؤية الجاهزة أو الخطة البديلة في حالة وفاة الملك أو حدوث فعل مضاد؟

ولم تكن هناك إجابات تشفي الغليل عند السفير الطويل القامة. وبقيت الحيرة تدور في أركان الدولة والبلاد. ما هي الأسباب الكامنة وراء سؤاله وجولاته. هل كان يعرف شيئا مؤكدا سيحدث؟ لقد التقى الوزراء ورؤساء حكومات سابقة ومستشاري قبائل وعسكريين ورجال أعمال ومقاولين وشخصيات في الأمن وغيرها. لم يصل إلى نتيجة مع هؤلاء جميعا تحسم ما هو قريب غدا متوقع من كل الجهات الخارجية والداخلية.

في يوليو 1969 بدأت رائحة الشياط تفوح. وزع منشور في حفل زفاف السيد عمر الشلحي بمدينة البيضاء وسط الحضور وأمام كل الأنظار. الهمس لم يعد همسا. المنشور كان بداية قوية لخطوات تتسارع ذلك الصيف. تلال الجبل والفندق الفخم الذي يشهد الحفل الساهر وأحاديث السمار. نهضت بقية المدن في الصباح على ما خلف السطور في المنشور الذي حسب بطريقة أو بأخرى على تنظيم الرواد شارك في كتابته أحد أعضائه.
.. ثم وصل المنشور إلى البعيد.. إلى الملك في تركيا على ضفاف البسفور!

 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»