Atwasat

مصطفى الأمير: رائد الدراما الاجتماعية

منصور بوشناف الخميس 14 ديسمبر 2023, 08:39 مساء
منصور بوشناف

الدراما الليبية، مسرحا أو اذاعة، لم تولد فجأة بالتأكيد. بل بدأت، ككل الظواهر الفنية، صغيرة وبسيطة ونتيجة لتأثر الثقافة الليبية بثقافة العصر الذي انطلقت فيه.

نجد بذور التمثيل والكتابة للمسرح في العهد العثماني الثاني، فقد اكتشف الليبيون هذا الفن الساحر والمبهر «المسرح» منذ منتصف القرن التاسع عشر نتيجة لزيارات وعروض الفرق المسرحية الأوروبية ثم العربية، وبالتحديد من مصر.

مرت بالطبع فترة لم تكن طويلة، لحسن الحظ، قبل أن يبدأ الليبيون في تجريب هذا الفن، تمثيلاً وتقليداً لما شاهدوه عبر العروض الزائرة وبدأت أولى المحاولات بأعمال قصيرة وبسيطة تتناول في غالبها وعلى شكل «اسكتشات» اجتماعية قضايا ذلك العصر الاجتماعية.

مع دخول الاستعمار الإيطالي واستيطانه في ليبيا بدأ المسرح كفن يتوطن فقد أسس الاستعمار الإيطالي الكثير من المسارح ودور العرض كعناصر مهمة في المدن التي أسسها لتناسب حاجات مستوطنيه مما أتاح لجزء من سكان المدن الليبية مشاهدة هذه الفنون والتعلق بها وإدراك أهميتها ودورها في تثقيف وتكوين المواطن.

المسرح الليبي كان في فترة الاحتلال الإيطالي إحدى أدوات المقاومة ضد الاحتلال والطلينة، فلقد قدم الليبيون منذ انطلاق مسرحهم أعمالهم باللغة العربية وكانت تلك الأعمال في غالبها دفاعاً عن عروبة وإسلام ليبيا ضد الطلينة.

من الكتاب الرواد للمسرح الليبي كان «مصطفى الأمير» الذي بدأت علاقته بالمسرح عام 1937م كمشاهد لبعض الاسكتشات الفكاهية التي كان يقدمها رواد سبقوه في مدرسة الفنون والصنائع، ليتعلق بهذا الفن ويخلص له حتى النهاية.

مصطفى الأمير بدأ كممثل هاو ومحب لفن المسرح بمدرسة الفنون والصنائع ثم بالأندية وذلك عبر المشاركة في بعض الأعمال المسرحية القصيرة التي كانت تقدم في الحفلات والمهرجانات ثم كانت تجربته بالإذاعة المسموعة التي أغنت تجربته وفتحت له فضاء آخر.

كانت القضايا الاجتماعية أهم ما شغل الدراما الليبية في تلك الحقبة سواء كانت بالمسرح أو الراديو وكان مصطفى الأمير أحد رواد هذا الفن الجديد عبر خبرته التي اكتسبها كممثل في المسرح والإذاعة وبدأ مصطفى الأمير في التأليف المسرحي أو، بالأحرى، كانت بدايته ككاتب بالاقتباس فأعد مسرحية «المشروع» عن الأدب العالمي وظهر عبر هذا العمل المسرحي نضج التجربة المسرحية لدى مصطفى الأمير ككاتب مسرحي رائد، حيث قدم عملاً مسرحياً اجتماعياً توفرت فيه كل عناصر النص والعرض المسرحي المتعارف عليه، لينطلق بعد تلك التجربة الناجحة في التأليف المسرحي وليكون ومع رفيقه «محمد شرف الدين» رائدين حقيقيين للنص المسرحي الليبي الاجتماعي بكل ما يحمله من نقد لحياة المجتمع ومظاهر الظلم والجهل والتخلف وانتصاراً للنهضة والحرية والعلم.

كانت مسرحية سويلمة عمله الأول كمؤلف مسرحي وعرضت قضية المرأة ووضعها الاجتماعي في تلك الحقبة لتتواصل بعدها أعماله التي شكلت تياراً مسرحياً في الثقافة الليبية يقوم على نقد المجتمع ومناصرة مشروع النهضة أو مشروع تحديث ليبيا.

كان مسرح مصطفى الأمير مسرحاً اجتماعياً متقدماً ونهضوياً من مسرحية المشروع وإلى حلم الجيعانين بجزءيها الأول والثاني مروراً بمسرحيات بين يوم وليلة وما يصح إلا الصحيح إلى العسل المر، حيث قدم مصطفى الأمير عبر تلك الأعمال نقده الاجتماعي بكتابة مسرحية حقيقية تجاوزت تجارب الاسكتشات والأعمال الصغيرة، كان مصطفى الأمير قد طور النص المسرحي الليبي ووصل به إلى مستوى النص المسرحي الاجتماعي الناضج في تلك المرحلة.

من اللافت في نصوص مصطفى الأمير هو تلك القدرة العالية على صناعة الشخصية المسرحية المميزة القادرة على البقاء كشخصية فنية حقيقية لا تموت بانتهاء العرض بل تبقى في الذاكرة وتظل قابلة للإحياء والتقديم من جديد مثل شخصية «شلنده» التي أداها الفنان محمد شرف الدين وهي شخصية لا تقل عن شخصيات مسرحية عاشت لمئات السنين وظلت تقدم برؤى مختلفة.

بنية النص المسرحي لدى مصطفى الأمير كانت بنية بها كل عناصر النص المسرحي المكتوب بخبرة وعناية من حدث وزمن وشخصيات وعقدة وحل، لذا نجحت شعبياً غالبية أعمال مصطفى الأمير وشكلت جزءاً رائداً من نصوص المسرح الليبية، لا أتردد في تسميتها بمدرسة الأمير وشرف الدين المسرحية ولا تفوتني هنا الإشارة إلى أن تأثير المسرح الإيطالي «كوميديا ديلارتي» ومسرح «جلدوني»* الذي كان مصطفى الأمير مداوماً على مشاهدته أهم عناصر تكوين مسرح مصطفى الأمير وإنضاجه كتجربة مسرحية ليبية رائدة.

* كارلو أوزفالدو جولدوني Carlo Goldoni 1707-1793. كاتب مسرحي إيطالي ومؤسس الملهاة الإيطالية الحديثة.