Atwasat

فلسطين في ذاكرة المقاومة

سالم الهنداوي الخميس 09 نوفمبر 2023, 02:20 مساء
سالم الهنداوي

ارتبطنا بفلسطين ارتباطاً وجودياً جوهريا منذ وُلدنا في كنف العارفين وعشنا في ظِلالها واغتربنا تحت شمسها.. فكانت فلسطين قدرنا المحتوم الذي استوعبناه مبكِّراً في الحياة، لتكون الاسم الأول الذي تهجّيناه في طفولتنا قبل كُل الأسماء، وفي مدارسنا كانت في دروس الجغرافيا والتاريخ والتربية الوطنية، بل وكانت هي النشيد ولوحة الرسم ومادة الإنشاء والتعبير والعنوان العريض في الصحيفة الحائطية.
كجيلٍ خمسيني ارتبطنا بفلسطين قضية وجودٍ ومصير، وبقدر انتمائنا لها كانت ملهمتنا في الحكايات والأشعار والكِتابات والمناداة والمناجاة، فلا شارع لنا نعبره في المدينة إلّا وكان على الرصيف "مُلصق فلسطين" وشعارها الأصيل، كما لا مذياع يصدح في البيوت إلّا وكانت فلسطين أول الخبر ومطلع كلمات كُل نشيد.

كبرنا وكبرتْ قضية فلسطين بين كيد المتآمرين الدوليين العابثين بمصيرها منذ النكبة الأولى.. وخلتُ نفسي عام 1970 بأنني من جنود المقاومة فالتحقتُ بمكتب حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" بعمارة الجبل الأخضر ببنغازي راغباً في التدريب، وفعلاً احتوتنا ساحة التدريب الفدائي في منطقة "جليانة" نركض على القضبان وتزحف تحت الأسلاك ونقفز الحواجز ونجتاز النيران ونهتف بأعلى أصواتنا "صاعقة، صاعقة" في محاولة لترضية النفس التي وجدنا مثيلها بعد ذلك في الحركة الكشفية "وأعدّوا" مع فرقة "الكِبار".. فكُل الوطن كان ينشد فلسطين.

ذهبتْ تلك الأيام بقادتها الإقليميين في ليبيا بعد نشوب الخلاف والمواجهة المسلّحة بين الفصائل في طرابلس، لتتمركز "المنظمة" بعد ذلك في "بيروت" وتفتح جبهة النضال السياسي والصحفي المدعوم مادياً ومعنوياً من ليبيا والعراق وسوريا إلى جوار معسكرات التدريب الفدائي عند "تل الزعتر" وتلال "صيدا وصور والنبطية" في الجنوب اللبناني قبل أن يكون لـ"حزب الله" وجود في لبنان من الأساس، فقد تأسَّست حركة "أمل" عام 1975 على يد الإمام "موسى الصدر" لتكون الجناح العسكري لحركة "المحرومين"، وهي حركة شيعية اجتماعية إصلاحية ادّعت الدفاع عن "الشيعة" خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي أشعل فتيلها "اليمين المسيحي" بدعم خارجي أراد للبنان الفتنة والحرب لمصلحة "إسرائيل"، حيث أصبح الفلسطينيّون حينها هدفاً للميليشيات اللبنانية المسيحيّة اليمينيّة، فإثر اندلاع الحرب في أبريل 1975 حوصر مخيما "تل الزعتر" و"جسر الباشا"، ووقعت مجازر شعواء في حق الفلسطينيين واللبنانيين معاً، حيث قُدِّر عدد الذين قُتلوا في "تل الزعتر" وحده عند استسلامه بنحو 4 آلاف شخص بين فلسطيني ولبناني، لتخرج في النتيجة "منظمة التحرير الفلسطينية" تحت وابل الرصاص بباخرة محميّة نقلتهم من بيروت إلى تونس وقد تفكّكت قواعدها في لبنان على أشلاء مجزرة "صبرا وشاتيلا" المدوّية التي قادها الإرهابي "شارون" ولتجد المنظمة نفسها ضيفاً غير نشط لدى تونس لمدّة تجاوزت العشر سنوات، ولينتقل أرشيف "مركز الدراسات الفلسطينية" بعد استهدافه إلى قبرص ليجاوره في المنفى القبرصي "محمود درويش" بفصلية "الكرمل" و"محمد سلمان" و"حسن البطل" بصدور أسبوعية "فلسطين الثورة"، وهي من بدايات صحافة المهجر التي تأسست في نيقوسيا وليماسول قبل أن بتوقّف بعضها في لبنان كـ"شؤون فلسطينية" و"الهدف"، ونشرات سياسية إخبارية كـ"صوت فلسطين" و"الشرارة" والطلائع" و"فتح" وغيرها، ولتتأسّس من جديد في المهجر صحافة حديثة كصحيفة "القدس العربي" في لندن برئاسة عبدالباري عطوان، ومجلة "اليوم السابع" في باريس برئاسة بلال الحسن، إلى جانب النشرات السياسية ومراكز الأبحاث والترجمة في العديد من العواصم الأوروبية.

كان يعتريني دائماً سؤال لم أجد الإجابة عليه بين معظم الأصدقاء في بيروت، وكانوا شيعة وسُنّة ومسيحيين، نتنقّل بين الشرقية والغربية ونحمل سؤال المعرفة الراهنة "أين نمضي بلبنان؟!" ذلك لأن فعل الطوائف وعلى رأسها "اليمين المسيحي" هو ما جعل لبنان يغرق في حرب دموية لمدة خمسة عشر عاماً دفع ثمنها أكثر من 120 ألف لبناني، مسيحي ومسلم، وتشريد 75 ألفاً ونزوح مليون شخص لم يستطع زعماء الطوائف منع كُل هؤلاء من الموت والتشرُّد والنزوح، كما لم يستطيعوا إيقاف صميم الحرب المدعومة من "الصهيونية المسيحية واليهودية" والتي مثلما أشعلت فتيل الحرب في لبنان فتحت لإسرائيل باب الدخول عام 1982 لتجتاح بيروت وتحاصرها في وضح النهار بجنودها وملّالاتها التي ربضت أمام صُحف بيروت ومقاهيها وكأنها في شارع "روتشيلد" بـ"تل أبيب" وليس في شارع الحمرا..!

الغريب أن يتزامن اجتياح إسرائيل للبنان في أوج الحرب الأهلية، وأن تجتاز خطوط التماس بين الشرقية والغربية، ومن على شُرفات فندق "نورماندي" كانت المعارك تدور بين الأشقاء اللبنانيين من جهة وبينهما مع الجيش الصهيوني الذي كان يقصف مواقع الإثنين معاً.. كان الأمر غريباً أن تقتل صهيونياً ثم تعود في اللحظة لقتل أخيك اللبناني، وربما كانت تلك المواجهة مع إسرائيل كفيلة بإنهاء الحرب الأهلية في العام 1985 بعد التسوية الدولية بخروج منظمة التحرير وفصائلها المسلحة، وليبقى الوجود السوري متمكّناً بعد ذلك من لبنان ومانعاً للخسارة بحزبه القومي وأحزاب اليسار اللبنانية حتى تأسّس "حزب الله" في العام 1982 بزعامة "عبّاس الموسوي" الجناح الشيعي السياسي والعسكري الإيراني "الخميني" بعد إنهاء دور "المحرومين" في حركة "أمل"، وليكون "حزب الله" أو "المقاومة الإسلامية في لبنان" جزءا من محور المقاومة الذي تقوده إيران ضد الولايات المتّحدة وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة، وتأسّس حزب الله على الايديولوجية الخمينية وولاية الفقيه، فيما الجناح العسكري لحزب الله هو مجلس الجهاد، وجناحه السياسي هو حزب كتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني، وبعد وفاة "عبّاس الموسوي" في العام 1992، ترأس الجماعة "حسن نصرالله" الذي جعل ولاء الحزب لإيران في المواجهة اللبنانية مع إسرائيل، وليبسط "حزب الله" سلطته الشيعية الإيرانية على كامل أراضي الجنوب مع نهايات تلك الحرب الجنوبية مع إسرائيل التي قضت على "بشير الجميّل" كما قضت على ميليشيا العميل "سعد حدّاد" الموالي لإسرائيل وهو الضابط اللبناني المسيحي المنحدر من بلدة "مرجعيّون".

كانت "المقاومة" في لبنان بوجوهها المتعدِّدة هي الخيار الوحيد لمواجهة الاحتلال الذي استهدف في مراحل تاريخية رموز المقاومة الفلسطينية في بيروت من حركيين ومثقفين وأدباء كـ"غسان كنفاني" الذي اُغتيل عام 1972 على يد "الموساد" بتفجير سيارته، و"كمال عدوان وكمال ناصر ومحمد يوسف النجار" عام 1973 في عملية اغتيال قادها الإرهابي "إيهود باراك" الذي تسلّل إلى بيروت في زيٍّ نسائي.. وقائمة الاغتيالات تطول.

بعد حرب الأيام الستة عام 1967 نشط العمل الفلسطيني في الخارج بعمليات فدائية استهدفت سفارات وأهداف مصالح وشخصيات إسرائيلية أبرزها عملية "ميونخ" في العام 1972التي نفذتها منظمة "أيلول الأسود" ضد البعثة الأولمبية الإسرائيلية، وعملية مطار "عنتيبي" بأوغندا عام 1976 التي استهدفت خطف رهائن كانوا على متن طائرة فرنسية وقُتل فيها الضابط "جوناثان" شقيق "بنيامين نتنياهو".. قابلتها عمليات مماثلة للموساد استهدفت قيادات فلسطينية في العديد من العواصم العربية والغربية لعلّ أبرزها عملية اغتيال "خليل الوزي" في تونس عام 1988 وهو أحد مؤسسي "حركة فتح" وجناحها المسلح "العاصفة"، وكان "ابوجهاد" من أبرز القيادات الفلسطينية بصفاته العضوية في "المجلس الوطني الفلسطيني" و"المجلس العسكري الأعلى للثورة الفلسطينية"..

لقد كان اغتيال "أبوجهاد" في تونس محطّة مؤسفة لمنظمة التحرير الفلسطينية وللمقاومة المسلّحة التي انتهت في قبضة مواثيق "أوسلو" بمنعرجاتها السياسية الخطيرة التي مثلما شلّت حركة المقاومة الفتحاوية خارج فلسطين، اغتالت الأمل بتصفية "أبوعمّار" داخل فلسطين!