Atwasat

الحافزان الغريزيان

محمد عقيلة العمامي الإثنين 23 أكتوبر 2023, 10:40 صباحا
محمد عقيلة العمامي

(الرغبة في الحياة - ( The Will To Live كتاب لمؤلفه الدكتورالأمريكي (ارنولد هاتشنكر) الذي يعد من أشهر الأطباء النفسيين الغربيين، ولقد صدرت أول طبعاته سنة 1958 وما زال يطبع ويوزع، حتى الآن. قيل عن هذا الكتاب أنه يحمل رسالة مهمة للغاية للمرضى والأطباء، وإلى أي شخص يريد أن يفرح بالحياة، فهو يساعد كثيرا في تجنب الكثير من الأمراض النفسية وكذلك العضوية، ويفسر مؤلفه أن أسبابها الاضطرابات العاطفية. نتائج أبحاثه، فسرها بالأمثلة التى أوردها، وهي في مجملها مستقاة من تجاربه الخاصة مع المرضى. يقول: "..إن كل شخص بمقدوره أن يكون بصحة جيدة إن انتبه إلى حالته النفسية. إن معظم الناس، مثلما يقول، الذين يصابون بالمرض لا يدركون الأسباب التي أدت إلى حدوثه، ونحن لنعرفها نحتاج إلى معرفة الأسباب الكامنة في مجال حالته النفسية، وهي تلك الكامنة في منطقة لا وعينا، فهي الأسباب التي قد تقوض هناء الإنسان، ورفاهيته ".

وخلاصة ما يقوله المؤلف "ثمة حافزان غريزيان يتصارعا في الإنسان، الإنسان الحقيقي السوى، أحدهما يدفعه للمحافظة على حياته، والآخر يحرضه على تدمير نفسه.." ولعل ذلك ما جعل الكاتب الأديب إرنست هيمنجواي يقول، ويكرر في أكثر من مناسبة: "إن الإنسان يدمر ولكنه لا يهزم: "Man could be destroyed but non Defeated". ولكن علينا أن نعلم أن هناك سوء فهم في تفسير الهزيمة؛ فالهزيمة التي تدمر الإنسان، هي هزيمته برضوخه لذلك الحافز الذي يحرضه على تدمير نفسه، فهذا الذي هزم أمام قراره بالتوقف عن تناول المخدرات، بكافة أنواعها غالبته النشوة التي يتطلع إليها بتناوله للمخدر فغلبته الغريزة السيئة، أما ذلك الذي تأذى كثيرا من غياب المخدر عنه وأصر على عدم تناوله ففضل الأذية من غياب المخدر، الذي يجن بدونه فقد فضل نتائج غياب، وتحطم روحه لفترة، عن هزيمته أمام هذا المخدر.

يفسر الكاتب أننا خلقنا بحافز الرغبة في الحياة، ويدلل على ذلك بوصفه لحالة موثقة، خلاصتها أن سيدة مسنة، تعمل رئيسة لممرضات في مصحة ما، مرضت حتى وصلت حالتها إلى ذلك البرزخ الوعر، تلك الغيبوبة التي تقع ما بين الموت والحياة. وفعل الأطباء كل ما بوسعهم، للتغلب على أزمتها، ولم يعد بمقدورهم شيء يفعلونه لها، وكانت السيدة المسنة محبوبة، من بقية أطقم المستشفى، ومن المرضى. قالت بعد ما شفيت، أنها سمعت زميلاتها الممرضات، وهي مابين الحياة والموت، يرددن أكثر من مرة، ما معناه: "لو استطعنا فقط أن نوصل إليها، حقيقة خلاصتها: (أن مرضى المستشفي يسألون عنها، ويؤكدون أنهم في حاجة إليها)".

لقد أعادت كلمات زميلاتها الطمأنينة إلى نفسها وقويت لديها الرغبة في الحياة، فانهزم ذلك الحافز السلبي، وقويت شوكة الجانب الإيجابي ووهبها الشجاعة على مواصلةالإصرار على الحياة، فشفيت بالفعل!

وكم صادفنا من أصدقاء ومعارف، لا تتوقف شكواهم من المعدة ومشاكلها، أعرف رفيقا أصيب بـ (وسواس) خلاصتة أن ثمة قرحة في معدته، ولم يستطع أحد بمن فيهم أطباء أصدقاء له أن يقنعوه، أن معدته سليمة، ولقد أفنى سنوات وهو يتنقل ما بين طبيب إلى آخر، وصل حتى أطباء الأسكندرية، يشكو على الدوام من معدته اللعينة التي تسلطت عليه، متعاطيا أنواعا لا تحصى من علاجات المعدة. أحد أصدقائنا من الأطباء أكد له أن معدته سليمة وأنه يعاني من وسواس قهري، وسأله يوما:

"هب أنك مصاب بهذه القرحة، وأن نهايتك قريبة، لماذا لا تستمتع بأيامك الباقية. يا أخي هب أنك استيقظت، وأحسست أنك شفيت من هذه القرحة اللعينة، فماذا تفعل؟.. " فأجابه:

" - سوف أستمتع بحياتي كبقية خلق الله الأصحاء.."
- " كيف؟ أخبرني ماذا ستفعل بالضبط .."

لقد عجز صاحبنا عن أجابة مقنعة. أخذ يتخبط، لم يكن له أي برنامج يسعى إليه، لأن الجانب السلبي هو المسيطر عليه. لأنه أفنى سنوات يشكو من هذه القرحة، وعائلته تعطف عليه بالأكل الصحي والرعاية والتعاطف، وهذا في الواقع مايريده جانبه السلبي.

أعرف صديقا امتهن الكتابة الصحفية، كان مدخنا حد الإدمان، وكان يتصور أنه لا يستطيع كتابة جملة واحدة من دون إشعال لفافة تبغ. وصل به الأمر حد أن البلغم، الذي جعله لا ينام من دون صحن يبصق فيه أثناء نومه، وتأثر من تعليق زوجته عن ذلك الصحن، فقرر التوقف تماما عن التدخين، وبالفعل صمد تماما ولم يعد للتدخين أبدا، حتى كتابة هذه الأسطر!. العجيب أنه لا علاقة للتدخين، بالكتابة، ولا بالبلغم! أ لأن أسبابه، مثلما يقول الطب هي: أسبابها مرض الربو. إن أنواع العدوى التنفسية، مثل الزكام، والإنفلونزا التهاب القصبات الهوائية، و حموضة المعدة. بيئة ذات طقس جاف. وانخفاض استهلاك الماء والسوائل. غير أن الكثير منها يزيد التدخين منه.

فقط تأمل بينك وبين نفسك هذين الحافزين الغريزيين، اللذين يتصارعا فيك، يا صديقي الإنسان، أحدهما يدفعك للمحافظة على حياتك، والآخر يحرضك على تدمير نفسك. ومن منا لا يعرف أن الإدمان قاتل بامتياز، ومع ذلك هناك ملكة داخل البدن تزين له أنه على خطأ وأن مواصلته وإصراره على الكحول، أو المخدرات بأنواعها هي البهجة الحقيقية التي يحتاجها المرء.

قال اللَّه تعالى: في سورة يوسف عليه السلام: "إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي". وبالطبع المجتهد يجد تفسيرها في العديد من كتب الوعظ والإرشاد. وهي با ختصار شديد تلخيص شديد الوضوح لما كتبه الدكتور (ارنولد هاتشنكر) الذي يعد من أشهر الأطباء النفسيين الغربيين، في 190 صفحة!