الرثاء هو موطن العاطفة الحزينة، وهو صوت البكاء مع الكلام على الميت.. رثى الميِّتَ أو رثاه، أي عدّد محاسنه وبكاه.. أما رثى لحاله أي رقَّ ورأف بحاله وتوجَّع له؛ وشيء يُرثى له أي شيء يستدعي الشَّفقة.
والرثاء غرض من الأغراض الأصلية للشعر منذ الشعر الجاهلي وإلى يومنا هذا، فالمَرْثِيَةُ أو المَرْثَاة في الأدب «elegy» هي قصيدة حزينة أو مؤلمة تلقى لرثاء الميت.. بها تِعداد خِصال الميت مع التفجّع عليه والتأسّي والتعزّي بما كان يتصف به من صفات حسنة.
ما أورد هذه الألفاظ في عقلي هو حدث جلل تمثل في كارثة فيضان درنة، تلك الفاجعة التي أوجعت قلوبنا، وألزمنا هول الفاجعة الصمت والذهول.. فاللغة قد تخوننا في المواقف الصعبة.. ربما خجلًا، لأنها تعلم بعجزها كي تجود علينا بما نرتضيه من تعبير يلامس وجداننا، وربما تخاف مثلنا تمامًا، الخوف من خذلان المنكوبين بمواساة عابرة أو رثاء حار لن يضيف للمشهد إلا المزيد من الحسرة والألم.
لقد كان هدير الهجوم المائي كاسحًا، ولم ير شهود الكارثة مثيلًا له، ولا خطر على بال بشر، هجوم جامح اكتسح كل ما في طريقه، وخلال دقائق ساد صمت مطبق، وتحول المكان إلى خراب يفوق قدرة العقل على التصديق، والعين على الرؤية، والقلب على احتمال الأسى..
فالكارثة مفجعة تأثر بسببها نمط الحياة فجأة، وعانى الناس من ويلات فقد الأرواح والممتلكات وأصبحوا في حاجة إلى كل احتياجات الحياة الضرورية من طعام ومياه الشرب والملابس، وسكن وعناية طبية واجتماعية، لقد فقدوا كل شيء حتى أوراقهم الثبوتية.
الكارثة لو كانت حادثًا ناجمًا عن قوى الطبيعة، أو بسبب تقصير الإنسان، فالنتيجة أنه ترتب عليها خسائر هائلة في الأرواح وتدمير في الممتلكات، وتركت تأثيرًا شديدًا على الحياة، مع عجز ظاهر في مواجهتها يفوق إمكانيات وقدرات الموارد المتاحة..
بعد مضي أكثر من شهر على الكارثة ما زال التعاطي مع الأمر مقتصرًا على التجاهل والإهمال أو على «الرثاء" بأنواعه كافة شعرًا ونثرًا.. رغم الإقرار بأن تفاعلًا شعبيًا إيجابيًا قد واكب ما حدث، وبقدر فداحة الخسائر كانت استجابة الناس لتقديم العون تفوق التصور، فمن رحم المأساة يبعث الأمل، ومن هول المصاب وعظم الكارثة تحركت النخوة وكانت «فزعة" لا توصف، فتحركت قوافل الإغاثة من كل أنحاء البلاد، تعبيرًا عن التعاطف الإنساني الأخوي في أسمى تجلياته، نسي الناس ما بينهم من خصومة وهرع بعضهم لمساعدة المتضررين والمكلومين والمصابين، وكلما تبين حجم الأزمة وتعمق أثر المصيبة زاد حجم التكاتف والتعاون والتسامح ونسيان الضغائن.. إنه التعاطف الإنساني.. ففي أوقات الكوارث الكبرى التي تحصد الأرواح وتخلف وراءها مصابين ومشردين وينجم عنها خسائر فادحة في البنى التحتية، ويلحق الخراب بالعمران والممتلكات، عندها يميل الناس إلى نسيان الخصومة موقتًا والسمو فوق العداء لحين إشعار آخر، على عكس الأزمات السياسية التي تؤدي إلى تفاقم الخلافات وإثارة الانشقاقات داخل المجتمع، ولذا يمكننا القول إن الكارثة - وباعتبارها تهديدًا خارجيًا - غالبًا ما تؤدي إلى تذويب الخلاف وتوحيد تصرفات الناس نحو هدف محدد وهو البقاء على قيد الحياة. فهي بطريقة ما عامل توافقي يساعد على تجاوز الآثار المدمرة للكارثة، ويفترض أن هذا التعاطف الإنساني تزداد قيمته وجدواه إذا استطاع الناس تحويل ذلك التعاطف إلى شعور وواقع وعمل مستدام يمكن من خلاله إعادة البناء وتجاوز الأزمات التي نجمت عن الكارثة.
لا شك في أن هناك ما هو سلبي في مشهدنا اليوم، منه الإهمال وعدم كفاءة أهل السلطة والمسؤولين.. ومنه الفساد والسرقات.. إلخ.
ولذلك وجب أن تتغير أوضاع كثيرة، خاصة المشهد السياسي، وقد قال البعض.. الوضع ما بعد كارثة درنة لن يكون كما كان قبلها، ولكن للأسف لم يتغير شيء.
ولا تفوتنا الإشارة إلى ما قاله البعض من أن الكارثة غضب من الله، دون تقديم دليل على ذلك ولا يمكن القبول به بشكل يقيني تام لأننا لا نملك أدلة على ذلك، ولا ندري ماذا جرى في الغيب قبيل وقوع الكارثة.
أكرر القول بأن حالنا الآن وبعد مضي أكثر من شهر، يستدعي الخروج من أسر العواطف والرثاء والتفكير في كيفية جعل تلك «الفزعة العفوية التلقائية" من كل أهل البلاد، تصبح حالة مستدامة من العمل الجاد والتخطيط لإعادة البناء.
رحم الله من قضى وأعان أهلنا هناك على الصبر وتحمل هذا الفقد الكبير.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات