حين يلتفت الرجل الجالس في مقهى بطرابلس في سبعينات القرن العشرين إلى الجالس إلى جواره يجده «جملا» كامل الهيئة يرتشف من فنجان صغير قهوته الصباحية. الجمل لا يلقي بالا لاندهاش الآدمي الجالس إلى جواره، والمحدق فيه، ولكن هذا الآدمي تتحول دهشته إلى رعب يستبد به حين يرى شوارع طرابلس وقد تحولت إلى أودية وشعاب تجوبها لاهية عابثة الإبل. نعم الإبل. في المحلات والأسواق، وعلى المقاهي وفي المطاعم، فحيثما تولي وجهك تجد جملا وناقة.
كل ذلك في قصة عبقرية وشجاعة كتبها «أحمد إبراهيم الفقيه» في سبعينات القرن الماضي، معبرا عن هواجس ومخاوف جزء صغير من المجتمع الليبي في تلك الحقبة الثورية من زحف الريف على المدينة والبادية على كل شيء، وانفلات ذاكرة نار متوحشة من التهميش والقمع والإتاوات والميري والتنكيل والمشانق مارسها غزاة متعددون، انطلقوا من المدينة نحو مضارب الريف والبادية، ليظل الريفي والبدوي مغتربا عن مدينته، بل متوجسا وخائفا منها.
كان شعار الملك إدريس «حتحات على ما فات» قد هدأ نار تلك الذاكرة، مما أتاح للبلاد فرصة الشروع في البناء، وبدايات التحديث في مجتمع تسيطر عليه عقلية وثقافة «العصر الحجري الحديث»، ولكن ذلك لم يستمر طويلا، حيث ظلت النار تتقد تحت رماد «الحتحات»، لتنفجر من جديد مع خطاب زوارة والثورة الثقافية التي أعلنها العقيد معمر القذافي العام 1973م، ويجتاح سيل الثأرات المدينة والحداثة بكل أشكالها.
في قصة «الرجل الذي لم يشاهد في حياته نهرا» لأحمد إبراهيم الفقيه تصوير حقيقي على الرغم من «سرياليته»، فعقل وثقافة البادية والريف، ورمزها «الإبل»، اجتاحا حقا كل شيء، حتى جعلت خيال من يقرأها يرى في المقهى إبلا تحتسي القهوة، وتقرأ الجريدة، ويرى بنات المدن نوقا عصافير، ووزراء الدولة جمالا بأسنمة هائلة، وثوارها «قعدانا» تهدر وتتحرش بالنوق العصافير علانية.
المدينة الهشة لم تستطع المقاومة واستسلمت، وشرعت تبدون مظاهر حياتها.
هذه العلاقة بين الريف والبادية والمدينة في ليبيا ليست جديدة على أية حال، ولم تكن إنتاج سبتمبر فقط، بل كانت نتيجة رحلة طويلة من الصراع بين مدن ساحلية يديرها في الغالب مستعمرون، وصحراء وواحات يسكنها بدو وفلاحون لا يترددون في محاصرتها ودكها كلما سنحت لهم السانحة، والفترات الرومانية والبيزنطية والوندالية، وحتى العثمانية ثم الإيطالية، دليل واضح لهذا الصراع والعداء.
في قصة أحمد إبراهيم الفقيه يبدو السبب الأساسي لهذا العداء هو الجفاف والصحراء، وما طبعت به تلك الصحراء طبائع البشر وأعراف المجتمع، وعاداته وتقاليده، وتناقضه مع حياة الاستقرار والتحضر التي تنتجها بيئة المياه والأنهار، وذلك صحيح إلى حد كبير.
ولكن لماذا ثقافة الصحراء والجفاف ظلت سائدة في ليبيا للآن على الرغم من الاستقرار، وتوافر سبل العيش المادي العصري؟.
أعتقد أن السبب الأهم لهذه الهيمنة الثقافية البدوية على العقل والوجدان الليبيين هو عدم العمل من قِبل الدولة والنخب الثقافية والسياسية على توطين ثقافة الاستقرار والحداثة عبر التعليم أولا، والعمل الثقافي والإعلامي ثانيا.
سؤال بطل إبراهيم الكوني الذي يجوب شوارع طرابلس ضائعا: «إلى أين أيها البدوي؟» ما زال دون جواب، وما زال جواب معمر القذافي في قصته القصيرة المتميزة «الفرار إلى جهنم» هو توصيف دقيق لما بعد هزيمة البدوي، وضياعه من جديد في الصحراء.
سؤال الكوني وجواب القذافي ربما كانا الأكثر صدقا كسؤال وجواب وجوديين لغالبية سكان ليبيا، وعلاقتهم بثقافة وفكرة الاستقرار والحداثة، ما لم تتمكن النخب الثقافية الليبية من تقديم ثقافة الاستقرار وبناء الدولة كبديل لثقافة الغزو والغلبة.. ثقافة «الكاسكا».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات