البحث المتعلق بأدبية وصف السجن، في قصص "سجنيات" للكاتب عمر أبو القاسم الككلي، حَرّيٌ به إجرائيا،أن يفصل بين تمظهرات السجن، ووظائفه التي فصلّها ميشيل فوكو في "المُراقبة والمعاقبة" والكامنة في بنيته “كسلطة في ذاتها: يمكن تماما رؤية دلالة استقلالها الذاتي في الإكراهات غير المجدية ـ التي يقوم بها ـ الحرّاس أو في تسلّطية إدارة لها امتيازات المكان المغلق”.
تتجلي التسلطية في المكان المُغلق في المراقبة Surveiller وتليها المعاقبة punir إذ يجب أن يكون السجناء على علم بأنهم يخضعون للمراقبة المستمرة. التي تتقصدها السلطة السجنية ليس لتخويف السجناء من العقاب فحسب، بل لإجبارهم على اعتبار أنفسهم خاضعين بإستمرار تحت مرئيتها للتقويم والتطويع وهو مايؤكّد ما ألمع إليه فوكو بأن :”المرمى الأوّل للعمل السجني اعتماده التفريد الإكراهي عن طريق قطع كل علاقة لا تكون تحت رقابة السلطة ولا تكون منظّمة بحسب التراتب".ولكن السجين في هذا المقتطف من قصة "اللامرئي" 1 ـ يتحاشي مرئية السلطة بلامرئيته :"فطوال حوالي ثماني سنوات مدة البقاء تحت الشرطة العسكرية لم أسع إلى عقد صلة مع أي حارس من الحراس الذين يتعاملون معنا، ولم أذهب مع أي وفد مفاوض إلى الإدارة أو بسبب تورطي في أية مشكلة، ولم أدل بأي تعليق في المرات القليلة التي جاءنا فيها آمر السجن أو مسؤول من الإدارة.كنت مرتاحا لـ للامرئيتي هذه" . 2 ـ كما أن السجين إذا وجد نفسه إزاء تفريد سلطة المُراقبة الإكراهي بقيامه بخرق ترتيبها بزيارة مؤقتة لزنزانة أخرى .فإنه يقابل مرئيتها بلامرئيته: "فحتى حين كنت أنتقل في إطار تبادل الزيارات بين الزنازين للمبيت في زنزانة أخرى، لم أكن أتبع الحيلة التي كانت تتبع من قبل الآخرين في مثل هذه الحالات، حيث كان الضيف الذي يملأ فراغ شخص آخر ذهب إلى الزنزانة التي جاء هو منها يدخل، حين يأتي الحارس للتتميم ليلا، إلى المرحاض ويحدث من هناك صوتا بالكح أو الطرق على باب المرحاض ليتأكد الحارس أن الشخص الذي يكمل العدد موجود، كنت أنا أكتفي، اعتمادا على لامرئيتي وعدم تميز شكلي، بإعطاء الحارس ظهري والتظاهر بأنني منشغل بتسوية وضع شيء ما أمامي“.
يكتب فوكو عن :”الشكل العام للسجن: بأنّه تجهيز يجعل الأفراد طيّعين ومقيّدين، بفضل عمل محدّد على أجسادهم”. وتتجسّد أشكال التقييد والتطويع في “إجراءات من أجل تفريق الأفراد، وتثبيتهم، وتوزيعهم فضائيا، وتصنيفهم، وإستخراج أقصى مايمكن من الوقت منهم وأقصى ما يمكن من القوى، وتقويم أجسامهم، وتقنين سلوكهم الدائم، وإبقائهم ضمن دائرة الرؤية التي لا ثغرة فيها”
مرئية السلطة في السجن تتعدّى المراقبة التي لمحت لها الكلمة الفرنسية Surveiller إلى كلمة"الضبط" Discipline في الترجمة الأنجليزية لعنوان كتاب فوكو. وبذا يكتمل المتلث السجني "المراقبة والضبط والمعاقبة". ولكن اللامرئي، حسب ماورد في المقتطف السالف من "سجنيات"، يُحدث ثغرة في مرئية السلطة السجنية الرائية بماعبر عنه موريس ميرلوبونتي بـ "بينذاتية" الجسد الذي: "يرى نفسه رائياً ويلمس نفسه لامساً، فهو مرئي ومحسوس بالنسبة إلى نفسه" وهو يضاد السلطة وهنا السجنية التي تبغي أن تضبطه ذاتاً عن طريق ملازمة من يرى لمن يُرى، ومن يلمس لمن يُلمس، ومن يحس لمن يُحس".
لتوضيح الفارق بين اللامرئية والأخفائية يمكن التمييز هنا بين المكان موقعاً Spatialite de Position وهو مكان نهائي مُغلق يحتوي الأشياء ويخفيها، أي يمحو ذاكرتها وبين المكان تموقعاً Spatialite de Situation الذي يسمح للجسد الذاتي الذي يسمح للجسد الذاتي الذي يتجاوز الجسم الفيزيولوجي والتكوين النفسي، باقتحام الأمكنة المتاحة رغم محدوديتها للشخص في السجن وإفراغها وتملكها في كل مرة، بل إظهارها وإبرازها عندما يحل فيها.
نورد للقراءة قصة «وقت الحمّام» حيث يتمظهر الجسد مخفياً، لا لامرئياً: «كنت أستغرق وقتا طويلا في عملية الاستحمام. وكان بعض من معي يتساءلون، بين الجد والهزل: مش عارفين شن اديرّ كل هالوقت في الحمام ؟/ ذات مرة كنت أستحم وكان صديق، من الذين يفعلون كل شيء بتوتر، ينتظر متمشيا، قائلاً بين الفينة والأخرى/ هيا اطلع/ في مرحلة معينة تضايقت من إلحاحه، فقلت له مغتاظاً: أني نغسل في جسد/ فرّد ساخطاً: كنت خليتنا خشينا حنا قبلك غسلنا شوية هالتاناك الِّي عندنا، وبعدين خشيت انت غسلت هالجسد على راحتك».
التاناك أو الصفيح هو استعارة للجسم بالمعنى الفزيائي الذي تحيزّه السلطة السجنية أمام مراقبتها وضبطها ومعاقبتها، بينما الجسد فهو حقيقة بينذاتية ملموسة، وعلى الرغم من أنه قابل للملاحظة، إلا أنه غير قابل للتشيئة أو للموضعة فلا يمنع أن يبقى دائماً في حضوره ولو لم يدرك. فالكائن وهنا بمعنى السجين في الأمكنة التي يراها شخصية أو خصوصية في عموم السجن إدراكه لجسده لا يفرض عليه طريقة تحددها له السلطة السجنيةـ كما بينا ذلك في مقال ثقب في الجحيم ـ بإدراك الأشياء أو الأشخاص المحيطة به أو المقابلة بألا يرى إلا جهة من جهاتها. عكس الجسد الذي يظل متخفياً إزاءه، فيفرض عليه شكل الرؤية والمنظور للأشياء دون أن يلاحظه، ولو أراد ذلك لاحتاج إلى جسد آخر. يتموقع بحرية خارج السجن.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات