يتفق علماء النفس والاجتماع والتربية على أن صراع الأجيال حالة اختلاف في الرؤى بين جيلين أو ثلاثة كالأبناء والآباء والأجداد. ويؤكد علماء العلوم نفسها على أن حدة الاختلاف بين آراء الأجيال تشتد عندما يشهد مجتمع ما تحولات جذرية في أحواله الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، أو فيها جميعا، وبدفعة واحدة، بما يهز منظومة القيم العامة في المجتمع.
بغض النظر عن مدى غموض فكرة جيل أو أجيال بسبب تدفق الحياة، إلا أنه بين بداية ونهاية هناك أعمار تتفاوت، وأن فكرة الأجيال فكرة لازمة حين الخوض في حركة التاريخ وتطور المدنية.
لا شك في أن صراع الأجيال، رغم التصادمية فيه وتفاوت حدته في الأزمان وفيما بين الأقطار، يظل صراعاً يعول عليه كمؤشر، بالأخص عند علماء الاجتماع، كونه ينبئ على مدى حيوية المجتمع وتفاعلاته مع منظومة الحياة كمتغير في منظور الحاضر والتاريخ، وكذلك للوقوف أيضا على مدى قدرة الدماء الجديدة في المجتمع الصاعد، كجيل جديد، على خلق وترسيخ قيمها الجديدة، ويساعد، كمؤشر، على استنباط مدى عمق رغبة الأجيال الجديدة في التعايش بالعالم المفتوح ضمن حدودها الضيقة.
كما هو الحال في مجتمعاتنا الراهنة على سبيل المثال، التي تعيش ضمن عولمة ممزوجة باجتماعيات وثقافات مختلفة، وأنماط حياة تفرض المواجهة بمنطق حتمية التفاعل الكوني، لا مجرد التخندق عند خط النقيض بقدسيات هجينة وخطاب معلول أو مجرد التبني بسطحيات فضفاضة -أو ربما كذابة- تخون الذات المحافظة كمفهوم ثقافي قابل للتفكيك والتحليل بغرض تحديث قيمه، بدل التقليد الأعمى فى اجترار مفضوح أو بعقل القياس العاجز على الإبداعية، لأنه مجتمع يكون بحاجة لنسخة أصلية دائما ليقيس عليها.
في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يتسم صراع الأجيال، بنظري المتواضع، بعدم احترام اللحظة، فالتراتبية الأسرية بالأبوية فيها تفرض نفسها معظم الحال، فالجيل الأقدم يمارس تسلطه، لفرض رأيه، بدلاً من الاعتراف بأن للجيل الجديد الحق في الاختيار مما هو قائم من موسيقى وأدب وأشعار ولغات وأيديولوجيا ونمط حياة.
عبارة «فن الزمن الجميل» هي من العبارات السائدة اليوم، والتي تمجد عهد عمالقة الفن السبعة بالنصف الأخير من القرن المنصرم، إلا أن واقع الحال يفرض التساؤل حول ماهية جمالية ذاك الزمن بشكل عام، فهي عقود لم نحقق فيها، عربا ومسلمين، أي انتصار حقيقي يذكر، ولا تقدما تقنيا يسجل حضورنا في هذا العالم بعيداً عن مسلمات المقهور والمهزوم داخلياً كمواطن. نصر 1973، الذي أعاد للروح العربية والمسلمة معنوياتها بعد سلسلة هزائم قاسية ضمن واقعية الصراع بالمنطقة، سرعان ما تحول لمسلسل تنازلات، يؤكد فيه اليوم العربي المهادن صواب نهجه بمنطق «عِيش وكُل خبزاً»، الذي يبدو أنه صار Tag المرحلة برمتها.
حالتنا قبلاً لم تكن جميلة كلياً حتماً، تماشياً مع فكرة أننا شعوب صاحبة ذاكرة قصيرة أمام ألحان رائعة وطوباوية جانحة بعيداً عن شراسة راهنها، نتذمر وسرعان ما ننسى، ونرفع الفرحة في ساعة انبساط متواضعة، تماما كالسيدة «البهلولة» في لحظة توازن هرموني عابر في سنوات عجزها القاسية.
واقعنا الحالي حتماً ليس جميلا، ولربما من الإنصاف وصفه بأنه زمن حرج وصعب، ولن يكون جميلاً إذا لم يتجرأ العربي على التاريخ، قاصداً أولوية أهم للحاضر وللمستقبل، يواجه ذاته بشجاعة، وهو يشرع في تدوين لحظته التاريخية الراهنة بصدق وتجرد، فالتاريخ المعاصر ما زال العربي يتراوغ معه، ويماطله هو الآخر بدوره تكراراً كردة فعل منه عند الشروع العربي في شق طريق صعب، لتنقيح مخزونه الثقافي من الشوائب والمعوقات، وتوهمه بأنه بات يملك اليقين، وليس الحق وحسب. طرح محمد شحرور المنفتح علي العصر قراءة لقيمنا ولقرآننا، لم يُلتفت له رغم الألمعية فيه، وعلي النقيض تماماً تغول التشدد، وباتت السلفية الطرف الأبرز في المشهد «الجميل»!.
قد تكون وضعية الجيل الحالي وفنونه ينظر لها الآباء والأجداد على أنها فنون هابطة ونمط حياتي رديء، ولكنها حتماً منتجات واقعنا الذي نتشارك فيه بعولمة وأمركة شديدة البأس، تفرض نمطها كسرعة وتعدديات وحقوق يترسخ وجودها لسطوة الليبرالية على عالم ما زال يتشكل وفق المعطى السياسي الراهن القائم على منطق القوة والحضور، وهى الأشياء التي ما زلنا نفتقدها بعيداً عن حضورنا في أسواق الطاقة وجدليات الدين والميتافيزيقيا والروحانيات في عالم يذعن للتقنية والمادية في كل شىء.
كجيل حالي، لقد ورثنا واقع اليوم بكل أثقاله والمديونيات فيه، فنحن جميعاً «أبناء اليوم» بقيد ميلاد الأمس حيثما كان الجد والأب سيدي اللحظة المعاشة تلك، بكل ما فيها من انكسار وهزائم وإذعان وصمت، وبما لها من توابع وأثمان فورية وآجلة، وأخرى بعيدة الأمد.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات