Atwasat

تأملات في المبدع الناقد بالضرورة!

أحمد الفيتوري الأربعاء 17 مايو 2023, 12:48 مساء
أحمد الفيتوري

• الخاطرة الأولى
إن انشغالي المُنصبّ على الثقافة الليبية، جعل أسئلة محددة تبرز عندي من ثنايا البحث، ومن ذلك لابد من القول، إن التحديد العلمي والموضوعي للمفاهيم، هو الذي يفرق بين الناقد المبدع وبين المبدع للشعر أو القصة وما إلى ذلك. المهم أن هذا الانشغال طرح علي مشكل ما يمكن تسميته بإشكالية الهوية !: هوية هذا الشعر؛ هل هو شعر أم لا من أين يجيء الشعري فيه .. الخ، وهوية هذا النص هل هو عمل سردي أين تكمن هذه السردية وما علاقة هذه السردية بموضوعها، ومن ثمّ علاقات النص أو الكتابة بمكوناتها الأولى، أعني بما قبل الكتابة مما يشف به النص، وهذا يطرح على كل ناقد باحث مدقق.

إن مشكل الهوية الذي يطرح نفسه بشكل وبآخر، من خلال مفاهيم ومداليل وعلاقات يكشف عنها النص، الذي يطرح مفهومية ما للهوية أو لهويات ومفهوم ما للحداثة أو للحداثات، وتكون دلالات النص مُحمّلة بالعلاقة بين هذين المفهومين. وفى النص الليبي تبدو الحداثة، وكأنها مرادف الهوية، أي أن الهوية وهُم لابد منه لأجل الوجود، ويبدو أن هذه الضرورة فى هذا النص تكمن فى المستقبل.

إن العمل الإبداعي هو نفسه عمل نقدي، النص الشعري أو السردي محمل بدلالات نقدية، أي كاتب قصة عندما يكتب هذه القصة، يكتبها من خلال رؤية نقدية للنصوص الأخرى. فالمبدع يحاول أن يكتب نصه هو، أن يكتب سرده كقصة أو رواية، يكتب قصيدته، وبالتالي تكمن فى كل كتابة رؤية نقدية ما، ولمّا تأتي الأعمال النقدية التحليلية للأعمال النقدية، فإن الناقد من جهته يكشف ويحاور تلك الرؤية النقدية، الكامنة فى العمل الإبداعي المشار إليها.

وبالتالي فإني أتصور أن النقد قائم فى كل ثقافة مبدعة، وقد تغيب النظريات النقدية المقننة /النظرية النقدية، لكن لا تغيب الفاعلية النقدية، والنظريات النقدية بطبيعتها تهتم بالعام بالكُلي، ويمكن أن يوجدها مفكر وباحث كبير فى أي مكان من العالم، وبالتالي يمكن دراستها والاستفادة منها وتوظيفها لدراسة نص ما.

فالنظريات النقدية أو المناهج النقدية ليست بالضرورة أن تكون فى البلد (س) أو البلد (ص) أو تكون عروبية الأرومة! كما يدّعي العروبييون، أي نظرية خالصة خاصة عربية قحة!! هذه نظرة عرقية ضيقة الأفق وعقيمة، هي نتاج المثالية الألمانية والرومانتيكية الأوروبية مصدر ومرجع الأصولية الدينية والقومية.

العلم لا وطن له ولا جنسية ولا أوهام هوية له، فالمناهج النقدية مناهج علمية رغم هذه الحساسية العرقية التي ظهرت من أثر «المركزية الأوربية»، بحيث سميت دراسات بأنها دراسات نقدية أوربية. وهكذا لا فاعلية إبداعية دون فاعلية نقدية، فالمبدع الناقد الأول والناقد مبدع بالضرورة. ومن هذا المنطلق إني أمارس النقد من منطلق أساس، أن النص الذي لا تستطيع أن تتعاطف معه، لا تستطيع أن تنقده، فالنص النقدي لا بد أن تربطه وشائج بموضوعه، وبالتالي فإن ما كتبت عنه من الإبداع بيني وبينه الكثير من الوشائج.

• الخاطرة الثانية
- من سيكون رفقة الرحلة ؟
- لست على علم بالمرة

قبلها اجتاحه يقين: أن تأتي الحافلة/ أن تتخذ مدخل البيت محطة/ أن تواجه نافذة الحافلة باب البيت/ من حيث تطل/ وهو يهم خارجًا، يراها.
أن يحدث هذا، هذا هو الاستنباء.

«إذا كان الودان لا يرى إلا تحت قدميه» فإن يوسف القويري الروائي يرى ما قُدام قدميه، أي أن الكائنات الأدنى لا ذاكرة لها تخزن الماضي، لكن القويري له ذاكرة. غير أن فعل هذه الذاكرة عند الكائن الأعلى مقلوبة، حيث هي مرآة المستقبل رغم أنها حصاد الماضي. وكأن الإنسان كائن اليوتوبيا فهناك دائمًا شيء مفتقد، ثمة ضوء قد انسحب، إن عالمًا جرد من الحدس والتوقع يصبح كئيباً بارداً.

مستقبلية، وكأن الحياة فكرة غيبية عند الكائن الأعلى، أو على الأقل فكرة الخيال الذي يتجاوز الحقيقة المحدودة، ليلتقط إمكاناتها الكامنة، لهذا في نص الاستنباء، العاشق يكمن عدم علمه الإطلاقي في تقنياته، أي استبصاراته المبنية على الرغبة، المعللة بجملة معطيات كامنة في الذاكرة، خلاصتها حزمة احتمالات، معرفة في حدها الأدنى لإمكانية مجيء الحبيبة، الرحلة تكون في حافلة التي لا بد أنّ فيها نوافذ، النافذة التي تكون قبالة البيت ستكون هدف الحبيبة، التي قد تكون تعرف البيت، الذي قدامه مكانٌ لوقوف الحافلة، وهو يهم خارجاً، يراها. أن يحدث هذا، هذا هو الحدس.

بهذا المعنى الحياة مشروع معاش، كامن عند الإنسان في استهدافه الخلود، حتى خلود الروح، بقدر ما هي فكرة ميتافيزيقية، هي مسألة لمعالجة حب الإنسان للحياة، والرغبة المتأصلة فيها. وأليس الحدس والخيال هما الجانب الأيمن والأيسر للعقل؟، وقد اهتدى «دابليو سبيري» إلى أن المخ الإنساني له نصفان كرويان، حيث النصف الكروي الأيسر من المخ يهيمن على اللغة، على حين أن الأيمن يختص بالتعرف أو التمييز، وكذلك يتعلق الأيسر بالمنطق واللغة، بينما يختص الأيمن بالتذوق كالاستمتاع الفني. ومن الأمور ذات الدلالة أن المخ الأيسر لديه إحساس قوي بالزمان، على حين أن الأيمن لا يملك شيئاً من هذا الإحساس.

وبهذين معاً «الخيال والحدس»، يكون الكائن الأعلى مشرفاً على ما سيكونه، وقد كتب «أندريه بريتون» في البيان السريالي: إن الانحطاط بالخيال إلى حالة العبودية، هو خيانة لكل معني العدالة المطلقة داخل الذات، الخيال وحده هو ما يقدم لي شيئاً من التلميح، بما يمكن أن يكون.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»