Atwasat

الديمقراطية العربية: أخيلة مهووس أم أحلام مصادرة؟

عبد الكافي المغربي الخميس 27 أبريل 2023, 11:59 صباحا
عبد الكافي المغربي

الديمقراطية الليبرالية، ذلك الحلم البرجوازي، كسب خصوما من اليمين الاشتراكي القومي، ومن يسار راديكالي ثائر، ولم يستنكف فيلسوف غير تقليدي، هو نيتشة، من وجهة نظر أساء الجميع فهمها، من أن يعترض عليها بضحكه المبهم. وبمعزل عن ضحك الفلاسفة على مسلماتنا التي نطمئن إليها، ألا يحق لنا أن نسأل بأعمق قلق: هل الديمقراطية ممكنة من منظور ما استحدث من كوابيس تضاف إلى مجموع ما تراكم من كآبات الشتاء العربي؟ وإذا كانت الإجابة حتما بالنفي: ما هي أدق الأسباب التي تحول دون ذلك؟

بين أنظمة ملكية محافظة ومترددة، وفاشيات طموحة يلامس طموحها الجنون، وتيارات إسلامية آخذة في الصعود أمام انسحاق الفكر واندحار الثقافة واضمحلال الفن والأدب، يرتسم واقع عربي محبط، تتفق طبقات المجتمع كلها، باستثناء الكلِبتوقراط بصفتهم طبقة أشراف موالية للحاكم، في إدانته وتسجيل تشاؤمهم إزاءه. البرجوازية بين ملاك أراض وأرباب تجارة ومثقفين كلاسيكيين وأكاديميين تشهد انهيار أحلامها بأوطان تنسجم وطموحاتها لعيش أمنا ورغدا وتربية «راقية» لأبنائهم، والبروليتاريا تغذي آلة الحرب التي تخدم طبقة اللصوص التي تهدد بدورها البرجوازية في مكانتها وأرزاقها بحكم قربها من الحاكم أو بسعيها الذي لا يخيب في إدارة عجلة الحروب والأزمات لتضخيم أرصدتها في بنوك أوروبا وأمريكا الشمالية.

أفضت حقبة السبعينيات المشؤومة إلى زحف متردد للخواء الفكري على سطح الوعي العربي، عندما تم تغليب الكم على الكيف في التعليم، وعندما انتهت النهضة العربية في القاهرة وبيروت وبغداد بأساتذتها الجوالين وكتبها من مهمتها الصعبة في تصفية الخرافة الصوفية المسالمة. عندما تهاوت الخيبات على رأس الشاب العربي المحبط والمهزوم، والمكبوت جنسيا، كان ثمة حيز أخذ يتسع لطرح الفكر الديني، هذه المرة، بصفة جدلية لاهوتية واثقة، ومجاهدة.

تغلب جنرالات العرب المستنيرون في الأعم الأغلب، بالحديد والنار، على بلدان تغلي بالعنفوان الإسلامي، وتوهموا أن دعم منظومة تعليمية وتثقيفية تسوق للتفكير كان يمكن أن يهدد عروشهم أكثر من أن يكون منقذها.

يميل أصحاب النزعة الفكرية إلى صبغ كل مشكلة بطابع ذهني، مصطدمين في آخر المطاف بحالة أصفها «بتصوف الفكر» حين يتورع الفكر هيابا أو معوقا بجهل عن تصور البعد المادي للإشكاليات التي يعرض لها.

إذن بينما نؤكد على أنه ليس ثمة من أمل للديمقراطية فيما يصر الإسلاميون على المشاركة في معادلاتها الخاسرة، ندرك تماما أن إبعادهم لن يقودنا خطوة واحدة للأمام. فمن ذا الذي يقدر على إخراجهم، بعد أن صاغوا تحالفاتهم القوية وحصدوا جمهورا متعاطفا من بين الشباب، إلا ذلك الوحش الشائه، العسكر، الذي يطل برؤوسه المتعددة من الخرطوم والقاهرة، مهددا بالخراب والإقصاء؟

وحتى نتجنب تصوف الفكر الذي نحذر منه نزيد أنه ليس ثمة أمل للديمقراطية البرجوازية في ظل انتصار ثقافات مستهلكة وغير صناعية في الأساس، في اقتصاد ريعي غير برجوازي، وفي غياب تكافل عربي يضمن إنقاذ الاقتصادات المتعثرة، فيما تتآمر الحكومات الغربية وخصومهم في أنقرة وموسكو وطهران، أو في أحسن الأحوال، حين لا تبالي بالمنطقة التي تطحن الشباب وتدفع بهم إلى أتون الحرب مرتزقة في أوطانهم!

بيد أن البعد الفكري للأزمة أساسي. كيف ومتى نبدأ؟ إن أقصر الطرق عندما يتم تدمير كل شيء، وعوضا عن الإحباط الشبنغلري، والتكهن بـ«انحطاط الشرق الأوسط»، كأنه حتمي ولا يمكن عكس اتجاهه، يمكن أن يتمخض الشتاء العربي في آخره عن نهضة عربية ثقافية شاملة. من حلم الطفل البرجوازي الساذج «بنهاية الفقر» تمتد لآفاق واعدة لمستقبل أكثر إشراقا. من إرادة الأدب التلقائية إلى رصانة الفكر الباردة يمكن لثقافة برجوازية واعدة أن تلتمس موقعها في الصدارة، مهيئة الأسباب، إذا كان بالإمكان أصلا، لقيام مجتمع يعتقد بمبدأ الأمل، كما وضعه الفكر الصوفي الماركسي في ردة فعله على النازية.