جورج طرابيشي مفكر بالغ الأهمية يتوفر على ثقافة موسوعية مكينة ويمتلك قدرة تحليلية متغورة. ولعل عدم نيله ما هو جدير به من اهتمام إلى جانب مفكرين آخرين من مثل حسين مروة ومحمد عابد الجابري وحسن حنفي ومهدي عامل ونصر حامد أبو زيد، هو أنه لم يكن له "مشروع" واضح ومحدد مثل هؤلاء، رغم أن الكتب الأربعة التي أنجزها في نقد مشروع الجابري، إضافة إلى كتابه المتميز "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" تمثل "مشروعا" بالغ الأهمية.
وفي كتابه "من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة" يركز على تتبع قوس ما عرف بفكر النهضة العربية من خلال التعاطي النقدي مع أطروحات المفكرين النهضويين العرب المختلفة.
من ضمن هؤلاء المفكرين الذين عالج إنجازاتهم، أو أطروحاتهم، الفكرية معالجة نقدية نافذة طه حسين من خلال كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" عبر مقاله "أتغريب أم تحديث؟: طه حسين وسؤال مستقبل الثقافة"*.
يبني طرابيشي مقاله هذا على جملة شهيرة لطه حسين وردت في كتابه هذا وهي "علينا أن نصبح أوربيين في كل شيء". يقول طرابيشي بأن طه حسين لما أطلق جملته هذه كان "كأنه يطلق العفريت من قمقمه" ويوضح طرابيشي تصوره هذا بأن طه حسين بهذا الكتاب فتح طريقا جديدا في الثقافة العربية "فلأول مرة في تاريخ الثقافة العربية، بل لأول مرة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، يغدو المستقبل مفهوما مؤسِّسا، ويغدو مفهوم المستقبل معيِّنا لواقع المستقبل". ويشير إلى أنه "ابتداء من واقعة الحداثة الأوربية، غدا المستقبل مقولة مؤسِّسة لمختلف ثقافات البشرية". ذلك "أن سبق أوروبا إلى اجتراح تجلية الحداثة قد حدد لسائر ثقافات العالم مسار مستقبلها. فالمستقبل لم يعد سترا محجوبا من عالم الغيب لا سبيل إلى كشفه ومعرفته إلا تكهنا وبطريق العرافة النبوية، بل غدا محطة الوصول التي لا مناص من أن ينتهي إليها – ولو بالرغبة والتمني – كل قطار ينطلق على تلك السكة التي مَدَّتها الحداثة والتي يمكن أن تسمى سكة حديد التخلف والتقدم. فحاضر المتقدمين قد غدا مستقبل المتأخرين".
ويرى طرابيشي أن "صورة سكة الحديد توحي بنوع من حتمية" لذا يمكن "تخفيف الوقع بالحديث عن ضرورة تاريخية".
ومن هنا ندخل في التمييزات والتحليلات المعرفية الشيقة التي يقوم بها، في هذا المقال، جورج طرابيشي لضبط بعض المفاهيم.
يعالج طرابيشي الفرق بين "الحتمية" و"الضرورة التاريخية" بالقول "فضرورة الوصول لا ترادف حتمية الوصول، ولا سيما إذا ما أخذنا باعتبارنا أن سكة الحديد الواصلة ما بين محطة التخلف ومحطة التقدم التقدم ليست ممدودة سلفا. فعلى كل قطار أن يشق طريقه بنفسه، بنباهة سائقه، وبقوة وقوده، وبالسرعة التي تحددها له رغبة ركابه في الوصول". ذلك أنه "لئن يكن المحل الهندسي لكل من محطتي الانطلاق والوصول متعينا بضرب من ضرورة تاريخية، فإن المسافة الفاصلة بينهما هي مسافة من الحرية". ويعلل ذلك بكون المسار "ليس مرسوما سلفا، بل هو برسم الاختراع أو إعادة الاختراع" حيث أنه بعد "واقعة الحداثة الأوربية لم نعد – نحن وغيرنا من شعوب العالم – نملك خيارا في ألا نتقدم. تلك هي الحتمية. وهي فاعلة على صعيد الغائية. أما الحرية فمحصور نطاقها بالكيفية" بما أن سؤال "(كيف نتقدم؟) يبقى منذ بداية النهضة في القرن الماضي [التاسع عشر] – وقد يبقى على امتداد القرن القادم – سؤالا خلافيا".
* في: جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة"، ط2، دار الساقي 2009. الصفحات من: 39 إلى 44.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات