هذا الشعور تسلّل إلى قلبي وفكري عندما زرت ليبيا في الشهر الماضي، لم أشعر بهذا الشعور من قبل، حيث فارِق الزمن والوقت الذي قضيناه في الغربة وكذلك العمر..
وجدتُ نفسي غريبًا بين الجميع.
الحديثُ يختلف.
المصالحُ تختلف.
الناسُ تختلف.
أهلي وإخوتي وأقاربي هم أنفسهم.
لم أقابل الكثير من الأصدقاء، ومن قابلتهم أعرفهم جيدًا، وهم يقدّرونني. قابلتُ الكثير من المسؤولين والنشطاء، ولكن هنالك اختلاف واضح..
زرتُ الشرقَ والغربَ وتجوّلت في عدة مدن وقرى بالجبل الغربي وشرق ليبيا التي لم أزُرها في حياتي..
هنالك خلل كبير بين العالم الذي نعيش فيه نحن الآن وبين وطني، وهذا بسبب الحروب والفساد وعدم نقل المعرفة ومحاولات تفكيك الأسرة وغياب التفكير الجماعي لإنقاذ الوطن، وهذا في وطني..
تأخّر وطني بسبب هؤلاء المجرمين ومن يتربعون على كراسي السلطة منذ سبعين سنة.
لقد بدأها الملك والملكية ولمدة سبع عشرة سنة، والذي حاول توحيد الوطن، ووحده هو ورجالاته، ولكن في السبع سنوات الأخيرة بدأ النهبُ والفسادُ، وترعرع في نفوس الليبيين إلى أن وصل إلى أعلى المستويات في يومنا هذا.
حقبة وانتهت، ولا رجوع إليها.
حكَم القذافي ولمدة اثنتين وأربعين سنة، هو حكم فرد بتأييد غوغائي من أتباعه من اللجان الثورية، لقد أطاح بكل ما هو ممكن لتطوير ليبيا وجعل الليبيين يركضون وراء لقمة العيش، وأصبح الفساد يستشري في عروق الدولة ولا شيء يُعمل إلا بمقابل. ضاعت الهوية الليبية وحاول تفكيك الأسر، ودمّر الهيكل الاجتماعي لليبيين وهي حقبة سيئة للغاية، وانتهت ولا رجوع إليها.
جاءت فبراير وهي مستمرة من 2011، وتخلص الليبيون من الطاغية وزمرته، ولكن لم يتخلصوا من الفساد والفاسدين والدولة في صراع أيديولوجي، جيوغرافيك، قبلي، مناطقي، عرقي، سلبي، جعل الفاسدين ينجحون في زرع الفساد أكثر. لقد تفشّى مرض الحقد والحسد والفتنة، وأصبحت سياسة الغنيمة والمغالبة هي التي تسود على عقول الكثيرين في ليبيا. لم أجد إلا القليل الذي يتحدث عن إنقاذ الوطن، ولكن الأغلبية تتحدّث عن المال وما عند ذلك، وهذا و.. و.. و.. و..
هل يعقل أن يكون رئيس الدولة الحالي الذي أتي بالفساد والرشاوي؟ ويستعمل مال الدولة ليشتري الليبيين؟ ويعرف هذا كل ليبي وكل رئيس دولة يقابله؟!.. فعلا عجيب والشعب ساكت عن هذا الفساد. أليس هنالك قضاء وسيادة وإرادة تقف ضد هذا الرئيس الذي جاء بالفساد؟ وكبر الفساد في وطني الذي أنا غريب فيه ولم أفهم تردد الناس وسكوتهم على هذا الفساد سواء في غرب ليبيا أو شرقها، وهيمنة العسكر على كل شيء.
هل يُعقل أن يُباع المخدر في وسط النهار وأمام أعين الجميع؟ وهذا لتدمير الشباب والأسرة، ويصبح لدى ليبيا الكثيرون من هؤلاء غير فاعلين.
هل يُعقل أن يتم القبض على عدد كبير من وزراء هذه الحكومة، ومديري مصارف وسفارات ويودعوا السجن بتهمة السرقة والفساد المالي؟ الذي تزرعه حكومة الوحدة الوطنية، فهي ليست حكومة لوحدة ليبيا وإنما حكومة لإفساد ليبيا، أصبح الفساد مستشريا في وطني إلى أبعد الحدود بسبب هذه الحكومة وآخرين.
لهذا وجدتُ وطني غريبًا عني، وعن المباديء والقيم التي أعرفها وترعرعتُ عليها، وتغربت من أجلها. وجدتُ نفسي غريبًا عن هذه التصرفات وسكوت الناس وصمتهم والسلبية المفرطة ولا أحد يريد الحديث عنها. وشعرتُ بأن الوطن يتم اللعب به يمينًا وشمالًا. المواطن يكدح وطوابير أمام المصارف وطُرق بالية وخطيرة جدًا، ومرافق صحية منتهية الصلاحية ووقاحة في كل شيء، والعاملون بها يحاولون جاهدين التخفيف من حجم المعاناة على الناس. حدّث ولا حرج.
وانهيار جميع الخدمات، وحكومة مخصصة لخدمة طرابلس ومصراته فقط، وباقي ليبيا فارغ ومهمش، وحكومة في شرق ليبيا لا تملك المال وتشتغل بالديون، ومليشيات تسيطر على كل شيء وعلى هذه الحكومات. أمّا المجلسان؛ فحدّث ولا حرج عما يقومون به من أجل الاستمرار وتعطيل الانتخابات والمماطلة.
أمّا المجلس الرئاسي فقد وُلد ميتًا، ولا ينفع الإنعاش في جسم ميت وهذه الأيام يحاول النهوض تحت بند المصالحة؟ سكوت تام عن هذا كله ولا أحد يعير اهتمامًا لهذا، سواء المواطن أو المسؤولون!!
كل هذا وأكثر جعلني غريبًا، والأغرب من هذا؛ مازلت وسأظل أقول إن ليبيا أفضل من أي دولة أخرى بالنسبة لي ولن أبيع وطني رغم أنني والحمد لله أنعم بكل شيء؛ الأسرة والمال والوظيفة والاحترام والتقدير في بلد الإقامة والغربة اللعينة، ولكنْ يومٌ بليبيا خيرٌ من ألف في بلد الغربة. لكن هذه المرة شعرتُ بأنني غريبٌ وشعرتُ بأن المسافات تتباعد بيننا يومًا بعد يوم حيث كل شيء تغير بوطني إلا ترابه واسم ليبيا. الناسُ تغيروا كثيرًا إلا مَن رحِم ربي، وهذا نقبله بعض الشيء بحكم التطور والانفتاح على العالم.
أصبح الجميع يتحدثون عن المال والمال والمال، ولكن نسيوا أن هذا المال وكيفية الحصول عليه ليس بالرواتب أو بالجلوس في البيوت وإنما الحصول عليه بالعمل وإنجاز عملك على أتم الوجوه. "الدولة الرعية لا تنتج قيادات وإنما تنتج فاشلين ومتعاطين وغير قادرين على النهوض بالوطن" هذا ما أردّده عليهم وأنصحهم به، فانصحوهم.
هل سيتعافى وطني من هذه الشوائب؟ وهل سينهض وطني ويصل إلى مرتبة الدول التي أعرفها متقدمة في كل شيء؟ ليس هنالك مانع من أن تصل ليبيا إلى ذلك المستوى وليس من الصعب، حيث نملك المواهب والعقول النيّرة في عدة مجالات، ولدينا رصيد منهم خارج الوطن وداخله.
كلنا أملٌ أن الأجيال القادمة ستنعم بما أنعم الله على ليبيا، وأمام ليبيا والليبيين 15 سنة أخرى فقط، وإذا لم تنهض في هذه السنوات وتبعد الفاسدين والخونة والسُرّاق ومن يتسغلّون الدين لكبح المواطنين؛ فإن ليبيا سوف تستمر في هذا العد التنازلي ولدينا 600 مليون جائع حول ليبيا، والأزمات الاقتصادية تزداد يومًا بعد يومٍ ومصرُ وتونس بعض هذه الدول.
كل هذا جعلني غريبًا في وطني، ولم أستطع إقناع نفسي بأن وطني ليبيا غريب عني، ولكني شعرتُ بأنني غريبٌ فيه هذه المرة، ولكن لن أتوقف عن مساعدة وطني كلّما سنحت لي الفرصة، وأخافُ في الزيارة القادمة أن تكون الصدمة أكبر، وأعزل نفسي عن وطني.
دائمًا أقولها لليبيين، «الوطن باقٍ والأنذال زائلون» وهذه حقبة قذرة يقودها خونة، وليبيا ستنهض بعون الله، لكنّ الوقت يمرّ بسرعة.. وقصيرٌ جدًا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات