تحول الإعلام الغربي في تغطيته للحرب في أوكرانيا إلى بروباجاندا سافرة، في مبالغاته، وشيطنته للآخر، وغياب الدقة في ما يرويه، وفي خرق مراسليه أستار الكياسة حين يعبّرون - بعفوية ربما - عن عنصرية أوروبية لا تزال حية ترزق. على قنوات الإعلام الغربي وصفحاته جرعات لا تنقطع من التنديد بجرائم روسيا، والإشادة بمقاومة أوكرانيا «الديموقراطية»، والتأثر العظيم بمعاناة لاجئيها «المتحضرين.. الشقر.. زرق العيون». روايات لمعاناة أطفال ونساء وعجائز أوكرانيين محشورة ضمن نشرات الأخبار، تستثير تعاطفاً طبيعياً تجاه ضحايا كل الحروب وفي أي جانب من الحرب كانوا. إعلام ينطلق في تغطيته للحرب من أن الغرب كله خير والآخر كله شر.
يندّد الإعلام الغربي بغزو روسي غير مبرر وغير قانوني وغير أخلاقي. يتناسى ونتذكر غزو العراق وجرائم الفلوجة وأبوغريب وغزة وقانا وبحر البقر وصبرا وشاتيلا، التي لم تُـثِر مواقف رسمية أو إعلامية غربية مماثلة لما نراه منها في الحرب الأوكرانية. موت نصف مليون طفل جراء العقوبات على العراق في تسعينيات القرن الماضي، مثلاً، كان «ثمناً مقبولاً» في تصريح شهير لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت.
ليس في تفوق الغرب جديد؛ وهو التفوق الذي لا يقف عند الجانب المادي من حضارته، بل يتعداه إلى ادعائه قـيماً ثقافية، هي في جانب كبير منها قيم إنسانية عالمية. يمثل هذا التفوق المزدوج أساساً لتبرير الحملات الاستعمارية والاستيطانية وبسط الهيمنة حيثما يريد الغرب ويستطيع. اختزل الأوروبيون الاختلافات بينهم وبين غيرهم من الأمم في ثنائيات من التقدم والتخلف، والتحضر والهمجية، والديمقراطية والاستبداد؛ وتولى الغرب بحكم تفوقه هذا إلقاء الدروس والإملاء والإخضاع والاستغلال حيثما حل. عبر لويجي روبكي بريكتي Luigi Robecchi Brichetti، رحالة الجمعيات الجغرافية الإيطالية الممهِّدة لغزو ليبيا سنة 1911، عن التفوُّق الأوروبي في إطار ثنائية التحضر والهمجية فقال: «المعركة هذه المرة ليست ضد [الإسلام] كدين وإنما كعقبة في طريق تطوير حضارة جديدة... لسنا في عالمنا الحديث مسيحيين أو مسلمين؛ بل نحن متحضرون أو همجيون».(1)
ويبقى ذلك الفكر الإمبريالي الاستشراقي بعد انقضاء حقبة الاستعمار المباشر، يبرر لأصحابه الغزو والهيمنة والاستغلال بحججٍ متجددة باختلاف العصور. بعضهم اليوم يرسم ثنائية جديدة طرفاها أمم «ما بعد الحداثة» وأمم «ما قبل الحداثة» يُرتِّب عليها الدعوة إلى «إمبريالية من نوع جديد»(2)، وبعضهم الآخر يفاضل بين الشعوب بما يسميه تحضراً وبلون البشرة والعيون، كاشفاً عن عنصرية سبقه في التعبير عنها أمثال لويجي بريكتي قبل أكثر من مئة عام.
الغرب ليس وحده في نفاق إعلامه، فتبيان الحقيقة لذاتها ليس غاية عموم أجهزة الإعلام في عالمنا. لكنه، وهو يرى في إعلامه المعيار الذي يُقاس عليه في الصدق والموضوعية تحت عناوين الحرية والعدل والمساواة وحقوق الإنسان، جدير بالنقد قبل غيره، وبذات المقاييس التي يدّعيها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) Luigi Robecchi Brichetti, La Questione d’Oriente e la Tripolitania, Bollettino della Societa Africana d’Italia anno xv, fasc. 4 (1896), p. 108-109
(2) Robert Cooper, “The Post-Modern State”, Re-Ordering the World: The Long-Term Implications of September 11th, Foreign Policy Centre, 2002.
روبرت كوبر، «إعادة ترتيب العالم»، ترجمه إلى العربية نورالدين السيد الثلثي، جريدة الوسط، عدد 44 و45، 29 سبتمبر و6 أكتوبر 2016، http://alwasat.ly/news/opinions/110566?author=1
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات