«لن أسامحك، ولن أسمح لك، أنا فبرايري غصباً عنك».. تلك كانت البدايات، حينما كانت هوية «الفبرايريين» ملتبسة، فكان إثبات الصفة يحتاج لقوة خطاب فقط، وبعد أن تكاثر حملة «الهوية» كان لا بد من التمايز، والتراتبية، فلا معنى للمساواة في قيمة تاريخية كهذه. ولهذا استخدمنا الزمن لتوثيق الأصالة……
…. قال مسعود لصاحب المحل، الذي رفض أن يكتب قيمة المشتريات في سجل الديون «أنا فبرايري قبلك». بعد أن حاول الحاج سالم، أن يومئ لكون مسعود من «اللجان الثورية» سابقاً، وبعد أن احتد النقاش، صرخ به «احترم نفسك أنا فبرايري من قبل فبراير نفسها».
وعبر آخر بصيغة أوضح إذ قال أستاذ نبيل، المدرس، الذي لم يكن يُسمع له صوت، ولم يعرف أحد سابقاً هل كان يشجع السويحلي أم الحياد!! قال في ندوة على الهواء بالتلفزيون «إن فبراير روح، وليست تعبيراً لفظياً، ومن كانت روحه ضد ما كان يجري في البلاد فهو: فبرايري».
ولم يتابع أحد نبيل، إذ لم يكن هناك جواز سفر للأحلام سوى العبارات. لا المؤهلات، ولا الأصل الاجتماعي، ولا حتى المال، إلا إذ كنت صهرًا لـ«فبراير». أو تزوجتها طبعاً. فهذا الشهر أصبح مظلة نحتمي بها جميعاً من الاتهامات والاعتداء، في يوم ما عاقبت مدرسة الرياضيات في الحصة الأولى صباحاً، أحد طلابها، لكن عقابها ارتد لنحرها، إذ أثبت التلميذ أنه من عائلة فبرايرية، وهذا يكفي بذاته.
«صالح» ابن شارعنا، المنبوذ من الجميع، والذي كان أي طفل يتعرض لعقوبة من والديه إن شوهد بجواره - لا معه فقط - صالح استطاع أن يغير الصيغة وفقا لثقافته ومصطلحاته، فقبل أن ينطلق ويصبح قائد كتيبة، وله حق التدخل حتى في اختيار رئيس البلاد شخصياً، وبالرغم من أنه لم يعد يحتاج لأي صيغة، بعد أن قبض على الثراء من عنقه وصار يملك الأطيان والأعيان، والسيارات بكل موديلاتها. أقول قبل ذلك بدأ صالح انطلاقته - كما قلت لك - بتوثيق العبارة، إذ ظل يواجه كل من يعترض عليه بقوله «أنا فبرايري قبل ما تجيبك أمك».
الحاجّة «سليمة» عندما تعلو الأصوات وتتلاشى أي قدرة لديها، لجذب الانتباه من النسوة في خيمة العرس أو العزاء، ترفع عقيرتها بالقسم «ورأس فبراير كان ما سمعتي هذه يا حاجة»!!. فينقطع كل نفس، وتصمت الحاجة سليمة هنيهة لتأكيد استلامها لزمام الموقف، وتعدل جلستها، فوق دماغ فبراير شخصياً، وتستمتع بلحظات الهيمنة قبل أن تروي حكايتها.
لكن فبراير المباركة - أدامها الله - منحتنا رصيدها الخاص من العبارات والتوظيفات اللغوية، فكلمة «الله أكبر» التي كنا نسمعها عادة في الأذان، أو عند سماع خبر عن متوفى، باتت معجماً مستقلاً، ويمكنك مع لغة الجسد أن ترد بها على أي موقف كان.
- إذا قال رفيقك إنه سيسافر لطرابلس يمكنك أن تقول «الله أكبر» لتعني الموافقة، وإذا رفعت كف يدك أمام وجهك ورددت «الله أكبر» فهذا يعني إنك لا تستطيع.
- العزومة على طعام تقبلها بعبارة «الله أكبر»، وترفضها بوضع يدك على بطنك وأنت تردد «الله أكبر». الإقدام والإحجام تعبر عنه نفس الكلمة. فقد زرع الله البركة في كلام فبراير، والبركة تكفي مع القليل.
ـ النجاح نبتهج به بالتكبير، والفشل نتحسر بعده بنفس العبارة، علمتنا فبراير أن الأشياء والحوادث والظواهر تحمل نقيضها، وتنتج أضدادها، فبراير هي فلسفة للحياة، منطق خاص للتفسير، لذلك كانت تكفي لنشق طريقنا للحضارة حتى بشخصيات مثل صديقنا «صالح!!». لا يهم شيء سوى أن تعبر عن إيمانك بأحداث شهر معين في سنة معينة.
لذلك فكما هي «الله اكبر» تكفي للتعبير عن كل شيء، وهذا لم يكن لولا فبراير، فقد واجهنا بهذه الكلمة «الكتائب» وهزمناهم، ولهذا فهي تكفي لتكون بديلاً عن كل اللغات، لأنها من فبراير المعبرة عن كل شيء، فهي جديرة بأن تكون هي بالذات «لغة فبراير».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات