Atwasat

عن الدعاء و"الفيسبوك" أحدثكم

جمعة بوكليب الأربعاء 23 مارس 2022, 11:30 صباحا
جمعة بوكليب

حين فكرَ المواطنُ الأمريكي مارك زوكربيرج وشركاؤه في اختراع موقع الكتروني أطلقوا عليه اسم "فيسبوك" كانوا، في حقيقة الأمر، يفكرون في اختراع منصّة الكترونية، تكون بمثابة جسر، تمكّن البشر في مختلف بقاع العالم من قهر المسافات، وتجاوز عقبات العوائق الجغرافية والطبيعية والحدودية، والتواصل فيما بينهم اجتماعياً وفكرياً وعاطفياً وفنّياً وإبداعياً… إلخ. لذلك، حين ظهر موقع الفيسبوك للعالم، صار، على سبيل المثال، بإمكان مواطن ليبي عادي مقيم في بلدة صحراوية نائية مثل جخرة، ومواطن آخر، مقيم في جزر واق الواق، في حالة توفر انترنت ولغة مشتركة، من التواصل يومياً، وتجاذب أطراف الحديث، والسؤال عن الأحوال، وعن غلاء المعيشة، وتغيّرات الطقس، وتبادل الأفكار والنِكات، وتقاسم الطرب والأنغام. وبالطبع، هذا لا يعني أن البشر، بعد ذلك، لم يستغلوا تلك المنصّة التواصلية في أمور أخرى تخالف أهدافها.

السيد مارك زوكربيرج وشركاؤه لم يكن في حسبانهم مطلقاً، أن في بقعة في العالم اسمها ليبيا، سوف يقوم مواطنوها بفتح حسابات في منصّتهم الالكترونية العالمية، ليس بغرض التواصل مع غيرهم من خلق الله، بل للتواصل مع الله ذاته، مباشرة. ذلك أن المواطن الليبي ما إن يفتح عينيه على صباح جديد، يبدأ مباشرة في عملية التواصل مع الذات الإلهية عبر حسابه على الفيسبوك، بكتابة دعاء يسأل الله فيه أن يغفر لأبيه وأمه ويرحمهما وأن يسبغ نعمته عليه وعلى ذريته. والحقيقة، أن التوجه بالدعاء إلى الذات العلية أمر مستحب، لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز ادعوني أستجب لكم.

المشكلة أن المواطن الليبي ينسى أن الفيسبوك اخترع بهدف التواصل بين البشر، ويتجاهل حقيقة أن الله سبحانه وتعالى لا يملك حساباً على موقع الفيسبوك، ولا يطلع على ما يُنشر فيه من أدعية. وينسى كذلك أن التواصل مع الله تعالى، منذ أقدم العصور إلى الآن، له قنوات معروفة، حددتها الأديان المختلفة، وفسّرها وأوضحها أهل العلم من المختصين ونشروها في كتب، وتحدثوا عنها في البرامج التلفزيونية والإذاعية وفي المجلات والصحف، بل ونشروها حتى في مواقع التواصل الاجتماعي، ومن ضمنها صفحات الفيسبوك، وبلغات مختلفة.

وكلها توضح بما لايدع مجالا للشك، أن التواصل بين البشر وخالقهم ليس مكانه مطلقاً صفحات الفيسبوك. فلماذا إذاً يصر المواطن الليبي، رغم علمه بذلك، على فعل ما لا يعقل؟ أهو العناد وركوب الرأس، أم هو الرياء، ومحاولة غبية لإقناع رواد الفيسبوك بتقوى مزيفة؟ ومن لا يصدق ذلك، ليس عليه سوى إلقاء نظرة خاطفة على المواقع الليبية، ليرى بأم عينيه كيف تحول الفيسبوك إلى جدار الكتروني كبير، يلجأ إليه الليبيون، فرادى وجماعات، لكي يسجلوا عليه يوميا أعداداً هائلة من الرسائل موجهة مباشرة إلى الله، على هيأة أدعية، تبدأ بطلب الرحمة للآباء والأمهات وتنتهي بطلب أن يتدخل ويسحق بقوته حكومة لا ترحمهم، وتجار لا يتورعون عن الغش والمضاربة بالأسعار في شهر الصيام.

من حقنا أن نسأل إن كان ذلك ظاهرة ليبية محضة أم أنها ظاهرة عامة؟ وإذا كانت ظاهرة ليبية فقط، فهذا يعني أننا كشعب نعاني من سوء فهم استثنائي ومخجل في آن معاً، في أصول علاقتنا بالله تعالى. وإذا كان ظاهرة تتجاوز ليبيا، فهذا يعني أن "البحر مات وصلى عليه الحوت." وأنه لا حلّ أمامنا، سوى الركون إلى الصبر، والتضرع، سرّاً وجهراً، إلى الله، لكن ليس على صفحات الفيسبوك، أن يثبت علينا عقولنا.

ليس أمام الناس في أوقات الشدّة والضيق سوى اللجوء إلى الله، بالصلاة والدعاء، وغيرها من العبادات. والله تعالى رحيم بعباده، يستجيب دعاء الداعي إذا دعاه. لكن الحقيقة التي لا مفر من مواجهتها هي أن صفحات الفيسبوك لا علاقة لها بالله مطلقاً، وتقتصر مهمتها على أن تكون جسراً بين بني البشر للتواصل فيما بينهم، في مختلف بقاع العالم لاغير.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»