Atwasat

تلك الدار.. أيام الحقيقة (2)

سالم الكبتي الأربعاء 16 مارس 2022, 12:42 مساء
سالم الكبتي

(صرت أفهم .. روعة الحرف الذي يصنع للأنسان سلم)
علي الرقيعي

.. ومع بدء انطلاق العدد اليومي للحقيقة في السابع من مارس 1966.. في يوم عيد ميلادها الثاني.. كتب رشاد الهوني مقالا عنوانه (هذه ليست أهدافنا)، من أهم ماورد فيه قوله :(وتحقق الحلم. كنت أتمنى دائما أن ألتقي بالقارئ صباح كل يوم وكنت أهمس أمنيتي في أذان أصدقائي. وكان أصدقائي يبتسمون في وجهي إشفاقا أو مجاملة أو سخرية وكنت أحس بهذه المشاعر في بسمتهم وفي تلون ملامحهم وفي النظرة المسترخية الطويلة التي يمدونها أمامي. هل هو مستحيل؟ كلا. ولكننا نخشى أن لا تجد ماتكتبه وألا تجد مادة كافية تملأ بها صفحاتك فتلجأ إلى النقل أو الاستعارة. هكذا يقول أصدقائي ويقول الواقع أيضا. أن الحدث في بلادنا معدوم والحركة خافتة والناس لديهم حساسيات كثيرة والمواهب البشرية نادرة والإمكانيات الفنية ضعيفة ولاتجد من يدفعها إلى الخلق أو يوجهها إلى العمل).

وكان ذلك في المنظور العام صحيحا. فقد ظل التهيب من المشروعات الجديدة، وتحقيق الأحلام فوق أرض الوطن.. ظل صعب التصور، علاوة على تحقيقه بين الناس عمليا. لكن الإحباط واليأس لم يعتر صدر المؤسس محمد بشير وشقيقه رشاد وغيرهما من الحالمين لتحقيق (الحقيقة) وإنجازها صحيفة تسعى بين بقية الصحف وتغير من المضمون والأسلوب والشكل، والانطلاق نحو الهدف. وذلك أيضا ظل صعب التحقيق في الوقت نفسه. إن الحلم كانت تغطيه في أحيان كثيرة الصور المفزعة، وعلامات الرفض والموافقة والتردد والقبول والتعاطف والإشفاق. مرحلة قاسية وتجربة مريرة هي (المعاناة من أجل شئ) وتقديمه بصورة نظيفة إلى الناس.

وهكذا مع مرور أيام العامين من مارس 1964 إلى مارس 1966 كان لابد من التطوير وتحقيق الفكرة حبيسة صدر صانعيها. وظل رشاد يحكي عن تلك المعاناة الكبيرة قائلا، في صدق ومعرفة الخبير وصاحب الموهبة: (كانت العملية في البداية مرهقة وشاقة وكانت أعصابنا تتلف وتفسد وتخور ثم تنتفض وتهدأ وتنشط بمجرد أن نرى عملنا في يد القارئ. كانت العملية في البداية علامات استفهام وترقب. وتوتر وحذر لاتلبث أن تصبح واضحة هادئة مليئة بالثقة بمجرد أن تخرج الجريدة إلى الشارع. مجموعة أحاسيس ومشاعر لها لذة طاغية. إنه عراك العمل ولذة الانتصار على الوحش. وكان الوحش هو قلة الإمكانيات والعجز المادي وقال رئيس التحرير إن الإمكانيات ليست مشكلة أبدية والعجز المادي لا يمكن أن يعترض الزاحف والخبر والحدث والمادة يجب أن تصنع وتخلق. نحن يجب أن نتدرب وأن نتعلم وأن نفعل شيئا جديدا. نحن لايمكن أن نكون صورة لشئ آخر وليس مطلوبا منا أن نحاكي الآخرين).

وتلك الكلمات في مضمونها تلخص رحلة الحقيقة وتجربتها. تلخص المسيرة مع المهنة والحرف والرسالة. لابد أن يعرف القاريء مهمة الصحافة ويركن إليها ويحترمها ويعلم أن الكلمة مقدسة وشريفة. ذلك هو ملخص الحقيقة في انطلاقها ومشوارها الذي دام حوالي أربعة أعوام ثم توقف بفعل فاعل حاقد ومعلوم.. وجاهل وعدو للكلمة والحرف.
إن الحاقد تقهره كلمات وحروف يقولها رشاد بمنتهى الشجاعة ويؤمن بها أصحاب الكلمة ورجال المهنة.. كلمات مثل هذه، لأن ذلك الحاقد ضد الحرية وضد العمل الناجح وضد الطموحات وضد الإنسان الذي يصنع الحياة :

(إننا نؤمن بالتخصص. نؤمن بأنه لا مفر من التوجه مباشرة إلى هدف واحد إذا ما أردنا لهذا الهدف صورة براقة ولهذا فإن مشاريعنا لايمكن أبدا أن تكون خارج الصحافة وبمجرد أن تأخذ اليومية طريقها ستخرج المجلة الأسبوعية وبمجرد أن تأخذ المجلة الأسبوعية طريقها سيخرج الكتاب الشهري وتتحول دار الحقيقة خلال زمن قصير إلى مصنع للصحافة والثقافة والأدب وبهذا وحده نشعر بالراحة والرضا والاطمئنان لأننا بهذا نكون قد أمتعنا نفوسنا وحققنا رسالتنا ورشقنا في بطن الأرض خطوة ثابتة واثقة محشوة بألف تجربة ناجحة!).

.. ومع هذه الكلمات الشجاعة صارت الحقيقة واقعا ملموسا تراه الأعين كل يوم و تمددت في الأفاق الليبية وانتشرت وانبهر القراء بالحدث الذي تم. وكنت من ذلك الجيل الذي تابع وغمره هذا التيار الجارف وأدركه معنى أن يكون في وطننا صحافة بمثل هذا الحجم والقوة وارتباط الناس بها على الدوام. كنت من الجيل الذي أحب القراءة وعشقها بعد أن كانت مجرد حلم وشوق تملؤه الأيام. كانت القراءة هي الشوق في ذات اللحظة! وتلك الأيام في مرحلة لاحقة والانبهار مازال يكتنفني. مثل الكثيرين من جيلي قادتني خطواتي إلى هناك.. إلى شارع الصحافة في نهاية الحميضة بالبركة. إلى المؤسسة التي عرفت باسم الحقيقة. الدار. الصحافة والطباعة والنشر. المهنية عن اقتدار. كنت وأبناء جيلي مشدودين إلى صحيفة الحقيقة. تصدر في الصباح. وتختفي من الأكشاك عند الضحى. وتصل إلى أغلب المدن الليبية في نفس اليوم. غيرت الحقيقة كما قلت من واقع الصحافة الليبية إلى حد كبير وأسهمت بنصيب وافر مع زميلاتها من الصحف المستقلة في هذا التغيير والتطور. غيرت الحقيقة في الأسلوب والشكل والمضمون والخطاب والصور والإخراج والألوان. كانت صحيفة طازجة ساخنة ترافق قهوة الصباح لكل مواطن ليبي.. في العمل. في المدرسة. في الجامعة. في البيت. في المقهى. في النادي. ثم إلى الخارج حيث تواصلت مع القراء في القاهرة. كان يوزعها الحاج محمد مدبولي مع بقية الصحف المصرية والعربية الكبيرة.. الأهرام والأخبار وأخبار اليوم والأنوار القادمة من بيروت.. وغيرها وهو يسير بجلابيته في شوارع القاهرة يحملها في شنطة على كتفه في ميدان طلعت حرب قبل أن يستقر لاحقا في مكتبته الشهيرة المكان ذاته.

هناك في الحقيقة.. غزالة الصحف حيث قادتني الخطوات مع بعض أبناء جيلي. خطواتنا المرتعشة في بدايات الكتابة ولقينا الرعاية والتوجيه في رحابها. هناك وجدت صالة التحرير والآلات الهادرة ورائحة الأحبار والورق والرصاص. وحبات العرق من أجل صنع شيء وتقديمه للمواطن كل يوم. هناك شممت هذه الروائح ورأيت عن قرب المعاناة والعمل والاحتراق.. ومعنى أن تحقق تجربة وتنقلها بأمانة ووعي للآخرين .

مؤسسة عملاقة نهضت في ليبيا. بجهود ليبية وخبرات عربية. لم تكن عميلة تتبع سفارة. لم تكن تنساق وراء أي جهة. كانت صوتا للمواطن الليبي الذي أسست له العلاقة المباشرة مع الكلمة والحرف ومع المسؤول وربطته بالمقالة والقصيدة والصورة والقصة والتحقيق الصحفي والرسم الساخر، والنقاش ووضعته دائما في موقع الحدث. كانت الحقيقة شيئا آخر برق في سماء بنغازي والصحافة الليبية بأجمعها وظلت مكسبا رائعا لها.

وكان للحقيقة طعم جميل مثل سلال الفاكهة وسط الصحف. تغريك وتشتهيها وتختار ما يناسبك منها حلاوة ونكهة بلا توقف !



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»