أحد عشر عاماً تفصل بين لحظة انطلاق شرارة انتفاضة 17 فبراير 2011 والذكرى الحادية عشرة 2022. وهي مسافةٌ زمنيةٌ تُعدّ، في عمر الشعوب والأمم، قصيرة. إلاّ أنّها، بالمقارنة بما حدث خلالها في ليبيا، سنواتٌ صعبةٌ، ثقيلةٌ، على قلوب البلاد والعباد. ومن الممكن أن نطلق عليها اسم سنوات الجمر. ومع ذلك، ورغماً عن كل شيء، فإن سنوات الجمر، حين تقارن، بما قبلها من عقود القمع والاضطهاد والشنق في الميادين العامة وساحات الجامعات، تبدو محتملة، لأنها بنهايات مفتوحة. وبإمكان الشعب الخروج منها بكتابة نهاية مقبولة، إن لم تكن سعيدة. إن توفرت الإرادة واشتدت العزيمة.
ومن المؤسف، بل والمحزن حقّا، أننا، رغم كل المحاولات طوال تلك السنوات، ما زلنا نراوح في نفس النقطة من ذات المربع. ونرى، في كل إشراقة صباح، نفس الوجوه التي اعتلت المسرح، وسَدتْ عمداً أمامنا منافذ الخروج من النفق. إلاّ أننا، وهذا الأهمّ، لم نرفع راية الاستسلام، ولم نلق بسلاحنا على الأرض. ومازلنا نسعى جاهدين للخروج من عتمة النفق إلى ضوء النهار الفصيح. ويقيناً، رغماً عن كل شيء، سوف نتمكن حتماً، إن تحلينا بالصبر وبالعزيمة، من تحقيق حلمنا في العيش في وطن حر وكريم وديمقراطي.
التاريخ لا يصنعه المؤرخون. مهمةُ المؤرخين لا تتعدى توثيق ما يحدث على الأرض، وتقديم التفاسير محصّنة بالأدلة والبراهين إن وجدتْ. التاريخُ، كما عرفناه وخبرناه، تصنعه الأمم والشعوب بدمائها وتضحياتها وبإرادتها. هل مازلتم تذكرون ما قاله، ذات يوم، شاعر تونس العظيم أبو القاسم الشابي؟
العلاقةُ بين الشعوب والأمم والتاريخ في المركز منها العلاقة بالأمل. والأملُ أحياناً مثل هلال العيد، يطلع مرّة في العام، ولا يراه كل الناس، بل قلة قليلة منهم، حباهم الله بقوة البصر. وعلى أولئك القلة تعتمد الأمة. وهم، مهما تضاءل عددهم، يتواجدون دائماً. وقادرون على رؤية بريق ذلك الخيط الصغير، في لحظة زمنية معينة في وسط الغيوم، والتبشير بالعيد. التشابه مجازاً بين الأمل وهلال العيد، لا يعني واقعياً أن الأمل يطلع مرة واحدة فقط في العام. الأملُ أحياناً، في زحمة المواجع والمعاناة، يغيب لأعوام عن البصائر، لانشغالها بأمور أخرى. ولو انتبهنا قليلاً، لكنا أدركنا أنه، طوال السنوات العشر الماضية، كان قريباً منّا، ولم يغب مطلقاً.
وها هي الذكرى الحادية عشرة للانتفاضة وقد حلت بيننا. الذين منّا قرروا تجاهلها، وتفادي الاحتفال بقدومها، ذلك شأنهم. لكننا سنحتفل. وسنخرجُ إلى الميادين حاملين الأعلام والرايات خفاقة. احتفالنا بذكرى الانتفاضة لا يعني نسياننا أو تجاهلنا لما حدث ويحدث من معاناة وحروب ونهب وفساد وصراعات لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد. خروجنا للاحتفال بالانتفاضة يعني أننا ما زلنا، رغماً عن المعاناة، نتشبث بالأمل. و مازلنا نسعى إلى نهار أفضل، ونتوق إلى حياة أفضل في وطن أفضل، كما تشتهيه قلوبنا. وأننا، مهما طال بنا السفر، وامتدت بنا دروب الغربة، واستبد بنا قُطاع الطرق واللصوص، سنصل أحياء إلى وطننا المشتهى. ولأننا، كما تقول فيروز، كلما ازدادت غربتنا نهار، اقترب موعد عودتنا نهار.
الحلمُ الإنساني في العيش الكريم في وطن كريم لا يموت. لأن موته موت الحضارة. والإنسان حيوان حالم، لا يتوقف عن الحلم بحياة أفضل. والذين منّا ارتدوا عن المسيرة، وقرروا الانكفاء، هم في الحقيقة انكسروا، وتخلوا عن الحلم. وتخليهم يعني بطريقة ما موتهم "اكلينيكياً." فطوبى لكل الذين منّا ظلوا على الدرب سائرين. طوبى لكل أولئك الذين حملوا في حنايا قلوبهم حبهم لليبيا: حرة كريمة وديمقراطية.
نعم، سنحتفل بعيد الثورة. وستظل قلوبنا تخفق بالتوق إلى النور والحرية والأمن والأمان. وما دمنا أحياء سنظل دوماً نحلم ونعمل من أجل نهار أفضل، في وطن حريص علينا، وبنا رؤوف رحيم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات