العالم يمور كمحيط ساخن تنبع منه العواصف، تتصارع فيها تيارات وأمواج الثورات والحروب والجوائح والحرائق والنزوح، والانتفاضات التي تتأرجح مطالبها في الدول الديمقراطية ودول العسف، دول الرفاه ودول الفقر، بين تظاهرات من أجل المناخ او البيئة أو ضد جشع رؤوس الأموال وبين احتجاجات من أجل الخبز والكرامة.
وكل هذه الاضطرابات تعكس تململا شاملا من الوضع البشري الراهن، وخوفا كونيا مما يخبئه المستقبل الغامض. بشر يتناسلون دون هوادة وذكاء اصطناعي يهدد الكائنات ذات المشاعر بأن تقصى من الحياة والفعل (البعض الموسوس بالمؤامرة يعتبر غموض جائحة كورونا وما يحيط بها من تضارب في النظريات، استراتيجةَ الأشباح التي تحكم العالم كي تهديء من روع هذه المعادلة المختلة: مليارات من البشر قادمون مع قوى عاملة رقمية لا تحتاج إلا إلى قلة من البشر).
هذه النظرية التآمرية مستبعدة وفق آراء المتوجسين من نظرية المؤامرة، لكنها متسقة كنظريات علمية كثيرة متسقة رغم أنها خاطئة، وحتى لو نزحنا بهذه النظرية من الحقيقة إلى الخيال، أو من التاريخ إلى الأسطورة، لن تكف ـ مثل المخيال الديني ـ عن إنتاج كوابيسها حيال المصير البشري، وقلقلها حيال الغموض الذي يحيط بأرض بدأت تضيق بكائناتها وأكسجين يتناقص.
هذا هو حال العالم وهو يركض في ماراثون الاختراعات اليومية ــ كل يوم جيل تقني ـ تجتاج الأسواق والناس يلهثون خلفها مثقلين بالديون، حيث أصبح إدمان السلعة غير الضرورية استراتيجية السوق العالمية النهمة.
فلنتأمل حال كوكبنا الصغير، المسمى الشرق الأوسط، وهو يدور في مداره الصغير مجذوبا إلى المركز الكوني الذي يسيطر عليه الأقوياء، والذي تتكثف فيه هذه الاضطرابات الكونية بشكل لا سابق له، ثورات قامت، وثورات تقوم، وثورات تتأهب، وحروب أهلية وإقليمية، ونزوح بالملايين، مع قليل من الاستقرار المفخخ في جيوب تحاول أن تمتص غضب الناس ببناء الهياكل العملاقة، وتعمي العيون بكرنفال من البريق الخلاب والأضواء الساطعة، وبالرفاه المتأتي من مقايضة خبيثة، التخمة مقابل الحرية. لكن الأمر لن يطول.
ثَمّ ازدراء كوني للوضع البشري برمته الذي يتخبط في شبكة من الأزمات المتلاحقة، حيث أصبح الدواء المضاد للاكتئاب أضخم عقار يستخدم فوق الأرض، وازدراءً لهذا النظام العالمي الذي يقود ما يسمونه العالم الجديد.
النظام الذي يعن له أن يضع هذا الازدراء في مذكرة اتهام بحجم الكوكب تحت عنوان (الكراهية) أو الحث على الكراهية، وإصدار القوانين الدولية بشأنها. وهي تهمة موجهة مسبقا لكل من يحاول التململ في كهف النوم الطويل جراء ما يحقنون به من مخدرات عصرية أو بدائية، تمتد مما تعد به الديمقراطية من سعادة في هذه الحياة، وصولا إلى نذور الحركات الدينية العنيفة ووعودها بسعادة مطلقة في الحياة الأخرى، وكل يروج بضاعته بما يسميه الحرب النظيفة، أو الجهاد، من الأساطيل وحاملات الطائرات التي تجوب العالم إلى الأحزمة الناسفة التي تضرب حيثما تستطيع.
الكراهية بدل الازدراء، تصبح تهمة جاهزة تطالها القوانين موجهة لكل من يحاول تكسير صحون الفخار تعبيرا عن غضبه، أو توجيه سبابته الغاضبة إلى ما يعتقد أنه السبب في هذا القلق الإنساني الحائل دون نوم هانيء. وجِّهت تهمة (الحث على الكراهية) حتى إلى منصات التواصل الكبرى، وهُددت بالعقاب من قبل هذه القوى التي ترفض أي ابتكار يصادر احتكارها لمفاصل القوة، بما فيها وكالات أخبارها وسيطرتها على الخبر والمعلومة.
تلك المنصات التي أهم ما فعلته أن قوضت هذا الاحتكار، وأتاحت للمهمشين فوق الأرض أو المخدرين مساحة مجانية وحرة للتعبير عن غضبهم وازدرائهم لكل ما ومن يسخر منهم. هذه المنصات حررت التعبير والخبر والمعلومة من احتكار القوى النافذة في الدول الديمقراطية وفي منظومات السلطة المستبدة على حد سواء، من ويكليكس الذي يفضح مؤامرات القوة الأعظم على الأمم الصغيرة، إلى استبداد البهلوانات الحاكمة في عشوائيات هذا العالم التي تسمى افتراضيا دولا.
والمفارق أن اتهامات الآخرين بالحث على الكراهية تصدر من المعاقل التاريخية لها، تلك المقرات الضخمة التي صدّرت الحروب والضغائن إلى كل أرجاء العالم، وجعلت من أجزائه الفقيرة وقود حروبهم الباردة والساخنة: البيت الأبيض، ومقار المخابرات العالمية، والكرملين، والشانزليزيه، وغيرها من المعاقل التي يتشدق حكامها بالسلام العالمي قرب ضجيج مصانع السلاح الفتاك والذخائر التي تعذي هذه الحروب الجهوية، وتجعل تروس مصانع الفتك تدور (ألم تكن حروبنا الأهلية في ليبيا وفي بقع أخرى من المنطقة حروبا بالوكالة عن تلك القوى ومخالبها في المنطقة). فلوبي السلاح كأضخم لوبي في العالم هو ما يتحكم في القرار السياسي في الدول القوية.
ما فعله الهامشيون حين عثروا على منصات تعبيرهم، إما ازدراء لهذا الوضع برمته، أو انخراطا في لعبته الخطيرة، وهو وضع بشري لم تعد تهدده الحروب والجوائح فقط، ولكن يهدده تغير مناخي قد يخسف يوما بهذا الكوكب ومن عليه، ناتج عن تلك التروس التي تغذي السوق النهمة بكل ما يجعل البشر مفلسين وملاحقين بالديون، وتتحول فيه الانبعاثات السامة إلى سلاح دمار شامل سيطمر اليابسة تحت أمتار من الماء المالح المخلوط بجبال من الثلج القطبي، ودول الانبعاثات لا تفعل شيئا لأن تقليصها يعني تقليص معدلات نمو اقتصادها وانسياب الأموال.
يترك النافذون كل هذا وراءهم ويتوجهون باتفاقياتهم إلى محاكمة ومراقبة وترويض هذه المواقع الاجتماعية ومنصاتها تحت لافتة (الحث على الكراهية)، مثلما اجتاحوا أشد بقاع العالم فقرا تحت لافتة مكافحة الإرهاب، وفي الحالين ثمة فاشية مُلمعة تدافع عن نفسها بضراوة.
لن أبريء العالم الثالث أو النامي أو المستهلِك والمستهلَك من كل ما يحدث في هذا الكون، فنظم السلطات فيه تعمل في ظل هذه السلطة الكونية، بل ومحمية منها، وحتى حين استيقظ الناس وبدءوا ثوراتهم على هذه النظم المتخلفة، تسللت أصابع هذه القوى إلى هذا الربيع ولوثته بما تسميه صراع المصالح او إدارة العواصف كي تجمع لهم الحطب، أو الصراع حول مناطق النفوذ وحدودها التي رسمها الاستعمار القديم، ومن الطبيعي أن يجدوا داخل هذه المجتمعات الحالمة بالتغيير من يتحول إلى وكيل لهم مطيع، وحين يتواطأ المال مع السلاح تخرج اللعبة من أيدي الحالمين الذين عبروا عن ازدرائهم ليصبح الشأن المحلي جدا شأنا دوليا، وليغدو ما يسمى المجتمع الدولي، المختزل في الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، هو مدير هذه الأزمات، والجميع راضخ له ولشروطه ولمبادراته وعقوباته التي عادة لن تطال إلا هؤلاء المهمشين والحالمين بالتغيير وتجعلهم يتخلون عن مطالبهم بالحرية والحقوق الإنسانية لمطالب الحصول على الخبز والأمان.
العالم يمور بين من يتآمر على الآخرين بالعلم والمنهج والتخطيط، وبين من يتآمر على نفسه بالجهل والانسياق وراء مخدرات العصر، لكنَّ ثمة ضميرا مازال ينبض في هذا العالم، ممن يعبرون عن ازدرائهم لهذا النظام الذي حنث بوعوده، وبين هذه التظاهرات التي تحتج على هذا النظام، بسوقه ومصارفه وشعاراته الزائفة وابتعاثاته التي بدأ تسارعها يشي بقرب الكارثة لدرجة توقع أن تطال الكارثة أحفادنا.
في حلقة من برنامج بِن فوغل : البحث "عن الإنسان البري" يذهب فوغل إلى مؤلف لاذ بمكان معزول في جزيرة شمال أيرلندا، محتشدا بازدراء للمال بعد أن عمل لفترة في مؤسساته، إلى أن قال له أحد أصدقائه: طالما أنت تزدري المال فلماذا لا تتخلى عنه؟ وأعجبته الفكرة فعاش في المدينة ثلاث سنوات دون مال، وألف كتاب (رجل بلا مال) فحقق له أرباحا ضخمة لأنه عبر عن هاجس خفي تفاعل معه القراء.
واشترى بهذه الأرباح أرضا في الجزيرة وبنى فوقها كوخا، مبررا ذلك بقوله: "جميل أن تُصرف الأرباح فيما يتسق مع روح الكتاب". وأصبح يعيش في هذا المعتزل مع مجتمع صغير دون مال أو أي وسائل للتقنية بما فيها الكهرباء، يتأمل ويؤلف الكتب، متنازلا عن مبدئه باحتياجه ـ كما قال ـ لعشرة جنيهات كل أسبوع لشراء الكتب والورق والبيرا.
يكتب بيده على روق مؤكدا أن الكتابة باليد تجعل تفكيرك مختلفا، وأن البطء الذي يسم طريقة حياته الجديدة طريقة للتأمل الهاديء وإطالة العمر. في جلسة وداع مع فوغل في الحانة قال له: عليك أن تتخلى عن الشاشات وأجهزة الاتصال وكل الطنين الصناعي الذي يحيط بك، وتتأمل في أقرب الأشياء لك وتحتكَّ مع مجتمعك مباشرة.
وحين سأله فوغل عن مفهوم الأسرة بالنسبة له، قال: سبق أن قطعتُ في عملية جراحية القناة المنوية، وبرر ذلك، بكون العالم سيصل تعداد سكانه إلى 20 مليارا مع تطور كبير في الذكاء الاصطناعي، ولا أريد أن أنجب أطفالا وأحفادا لمثل هذا العالم.
ما لم يفكر فيه المؤلف المعتزل أن كوخه وجزيرته قد تغمرها المياه قريبا، وأن الأرض سيتقلص أكثر من نصف مساحتها قبل أن يصل التعداد البشري إلى 20 مليارا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات