يعد المفكر التونسي محمد الحبيب المرزوقي والمعروف عموماً بأبو يعرب، من الأكاديميين العرب أصحاب الإنتاج الفكري والثقافي المميز، وقد كان تقديم استقالته من المجلس التأسيسي في تونس، كعضو مستقل على قوائم حزب النهضة، قد أثار جدلاً واسعاً تراوح بين الترحيب والاستهجان، رغم أن بعضاً من الطبقة المثقفة في موطنه لم تستعجب استقالته، بقدر استغرابها انضمامه لحركة النهضة، التي علق الغنوشي إعلامياً على خطاب الاستقالة بأنها تحتوي على «مبالغات»، إذ ذكر أبو يعرب في خطاب إعلانها، أن حركة النهضة بات همها «تأبيد» نفسها في حكم تونس كما فعل سابقوها(1).
من الأعمال الفكرية المثيرة في نتاج المرزوقي هو عمله على مفهوم السببية عند الغزالي الصادر العام 1971، إذ اعتبر أن الثورة الحقيقية تُعد عند الغزالي، وليست عند ابن رشد، فكل ما نعرفه، بحسب تحليله، عن اتهامات للغزالي بقفل باب الفلسفة والتفلسف في الإسلام، ما هي إلا اجترار لقراءات مغلوطة للغزالي، ففي نظر أبو يعرب أن الغزالي قد أسس فلسفياً لاستقلالية الفكر الحضاري العربي الإسلامي، من خلال تمييزه بين المعرفة والميتافيزيقيا، في حين أن ابن رشد ما هو إلا شارح لأفكار أرسطو، كما جاء في كتاب نقد الميتافيزيقيا بين الغزالي وابن رشد.
لا يخفي المرزوقي إعجابه واهتمامه بهيجل، فمن ضمن الهموم أو الأسئلة التي عمل عليها هو محاولة فهم تجنب هيجل التعاطي مع الدين الإسلامي في فلسفة الدين، إذ تكرر ذكر الإسلام على مدى فصول كتاب هيجل، دونما تخصيص فصل للإسلام على غرار الأديان الأخرى التي تعامل معها، مستخلصاً أن الدولة في الإسلام تشكل حالة غارقة في المثالية، مما يجعلها «دولة مستحيلة»، وأن الفلسفة الإسلامية لم تقدم الكثير، إلا باعتبارها كانت جسراً بين حضارة اليونان وحضارة الغرب.
يرد المرزوقي على الفكرة الثانية لهيجل بتفنيدها من خلال القول بأن المسلمين قد تحرروا عبر القرآن من الاعتقاد الإغريقي القائل بأن المعرفة تصور الوجود بأنه عالم شفاف، وأن العقل يتجاوزه بصورة مطلقة، فالعلم قد أضحى عند المسلم مطلقاً بما يجعل العلم الإغريقي تاريخياً، بمعنى أن فتح العقل المسلم آفاق علمية جديدة تتجاوز الإغريق بما يعبر عن عمق الإضافة الإسلامية الكبرى للفلسفة الإنسانية. جاءت هذه الفكرة في لقاء متلفز بالمرزوقي في برنامج فسحة فكر، على أثير قناة العربي، وهي مقابلة موجودة على منصة «يوتيوب».
وبخصوص مثالية الدولة الإسلامية عند هيجل، التي يعتقد هيجل أن استحالة قيامها تكمن في أنها تساوي بين الناس من خلال شرط التقوى، كشرط أخلاقي، فتلغي بذلك الطبقات والجنس واللون والإثنية، مما يبعد روح الواقعية في قيامها، فيرد المرزوقي في مقدمة ترجمة كتاب فلسفة الدين ليهجل، بأن الدولة الإسلامية ليست مستحيلة لأنها مبنية على الفطرة الإنسانية، التي طفح كيلها من عذابات العولمة والاستغلال والاغتراب فيهما، وما تبعهما من انهيار للكثير من قيم الأخلاق في العالم. ويعزز المفكر التونسي فكرته هذه من خلال «المنزلة الاسمية» عند ابن تيمية - الذي يعتبره المرزوقي فيلسوفاً- وعند ابن خلدون في العمران، إذ يشرح في إصلاح العقل في الفلسفة العربية(2)، أن كلاً من ابن تيمية وابن خلدون قد عملا بشكل مستقل لتحقيق نجاعة فلسفية فكرية تحقق صلاحاً منشوداً للمسلمين، فقد عمل ابن تيمية على إصلاح العقل النظري من أجل الإصلاح الروحي، وعمل ابن خلدون لإصلاح العقل العملي من أجل الإصلاح السياسي(3).
فابن تيمية، كما يرى المرزوقي، يشترط لقيام الدولة الإسلامية عنده العدل والأمانة وهما شرطا الديمقراطية المعاصرة، في حين أن ابن خلدون حلل العمران ومشاكل سقوطه. مشيراً إلى مدى الضرر الذي لحق بالإسلام جراء تكالب حركات التطرف الإسلامي على الفتاوى التيمية، بلا أن يعرفوا جيداً أفكار الرجل، وما لحق بالتالي من تشويه للدين الحنيف جراء ذلك.
من الأفكار المثيرة للاهتمام التي يطرحها المرزوقي هي أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تكون علمانية، لأن الدولة الحديثة تمارس في عصرنا الوظيفة الاجتماعية التي كانت تمارسها المؤسسة الدينية سواءً في الغرب أو في العالم الإسلامي، من تعليم وتربية وثقافة ضمن أوجه الإنفاق المعروفة في القرآن وغيره من الأديان السماوية، فكل الفلاسفة منذ كتاب الشرائع لأفلاطون «مقالة 10»، وكتاب الميتافيزيقا لأرسطو «مقالة 12»، وصولاً إلى توماس هوبز، المؤمن بالعنف المطلق، يرون جميعهم أن الدين يكفل وجود رادع لتحقيق العدالة والنأي عن العنف، ويضمن بنجاعة العودة لطبيعة الإنسان، التي هي الفطرة كما هو في ثقافة الإسلام(4).
يشكل المرزوقي، كمفكر وكفيلسوف، بأطروحاته حالة مثيرة للجدل، من خلال تلاقيه مع التيار الديني وابتعاده عنهم عبر نقد لاذع للإسلام السياسي، أو من خلال مغايرته للآخر الليبرالي عبر تشديده على عامل الدين، وتلاقيه معه في دفاعه عن الحكم الجمهوري وأساليبه الديمقراطية، وبذات اللحظة مناقضته لليبرالية بنكر وجود دولة علمانية معاصرة. يظل الرجل حالة إضافة فكرية لأجيال عربية قادمة، قد تستعين ببعض أطروحاته يوماً، لأجل تلمس ملامح سبيل مستقبلها، إذا ما اعتبرنا أن ما يجري فى الربيعيات وتوابعها لا يمثل راهناً، إلا إرهاصاً لتغيير مستقبلي ذات يوم من عمر شعوبنا.
هامش.
1- مقال خاص منشور بصفحة أبويعرب المرزوقي، بتاريخ 6.مارس.
2013.http:/googl/ei2EtG
2- إصلاح العقل فى الفلسفة العربية. أبويعرب المرزوقي. مركز دراسات الوحدة العربية. ط2. بيروت لبنان.
3- أقطاب الفكر العربي. متعب القرني. دار مدارك للنشر. ط1. 2018.الرياض.السعودية.
4- أبويعرب المرزوقي. أديان قديمة وسياسات حديثة عن علاقة الدين بالسياسة. محاضرة عامة على هامش فعاليات معرض الكتاب العربي الأول في اسطنبول، نوفمبر 2015، بإشراف الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات