جيلي يتذكر، بالتأكيد، فيلم (موبي ديك)، ذلك الشريط السينمائي الذي تولى بطولته الممثل القدير (جريجوري بيك)، الذي أصبح منه نجمنا المفضل، ولا أعتقد أن أحدا منا نسي كيف أنه وثق نفسه فوق ذلك الحوت الهائل وأخذ يغرز حربونه فيه حتى أدماه ووصل فيما يبدو إلى قلبه، وغاص هو والحوت في قاع المحيط. كان ذلك الصائد، الذي أسماه المؤلف "إيهاب" قد فقد رجله، من قبل، عندما كان يحاول إنقاذ صديقه وهو يتصارع مع ذلك الحوت، وظل يعمل بسفن صيد الحيتان بحثا عن هذا الحوت تحديدا إلى أن وجده وقتله ومات معه.
كنا نعرف الممثل (جريجوري بيك) ولكننا لم نكن نعرف اسم كاتب الرواية، الواقع أنني عرفت اسمه مؤخرا، إنه الكاتب الروائي (هرمان ملفيل) الذي كان من عائلة ثرية ولكنها غرفت في الديون من بعد وفاة عائلها، فعمل بحارا على ظهر سفينة لصيد الحيتان، ويبدو أنها تلك التي قال عنها، بعدما اشتهرت كتاباته: "إن سفينة صيد الحيتان، كانت - جامعة- هارفارد وييل بالنسبة لي". وما إن استقر حتى كتب في ست سنوات عددا من الروايات هي: (تيبي) و (أمو) و (ماردي) و (ردبيرن) و (السترة البيضاء) جميعها عن تجربته في البحار، واختتمها بروايته الأكثر شهرة (موبي ديك) وعمره لم يتجاوز واحدا وثلاثين عاما.
جميع هذه الروايات مترجمة إلى عدد من لغات العالم، منها اللغة العربية. ولكنه لم ينل الشهرة التي يستحقها إلاّ بعد رحيله، وعندها جمعوا له عددا من الحكم والأقوال المأثورة، أعجبني منها: "من الأفضل أن نفشل فيما نصنعه، على أن ننجح فيما قلدنا به غيرنا، وأخذت بمقولته: "جربت كل شيء وأنجزت ما أستطيع".
قال عنه الأديب الألماني (جونتر جراس) الحائز على جائزة نوبل لعام 199: «إنني تعلمت العناية والاهتمام الكبير برسم شخصياتي والإفاضة في وصف أدق الأمور، وأن أفتح عيني وعقلي لكل ما يجرى حولي من الكاتب الأمريكي (هرمان ميلفل) الذى استطاع أن يخلق في رواية (موبي ديك) عالما ممتعا حافلا بالحياة».
كنت قد كتبت من قبل حكاية عن شخصية ليبية أسميتها (صائد الحيتان)، وهو عبد النبي الترهوني، ولكنه ظل طويلا معروفا، في بنغازي باسم "انبيوه جديوه" باعتبار انه شب في منزل زوج والدته. في شبابه كان سباحا ماهرا، وبسبب صلة قرابة أذكر أن والدتي بعثتني باكر صباح يوم من أيام مطلع الخمسينيات، إلى ناصية شارع الحشر لأحضر (سيدي بوشمله) صاحب والدي بعربته ليأخذنا إلى (مخازن الجرمانيا) بمنطقة رأس أعبيده، فانطلقتُ كقذيفة لأنني كنت أعتقد أن حصان عربيته صديقي، فما إن أمسد سبيب رقبته حتى يلتفت نحوي ويخيل لي أنه يخصني بضحكة ودودة. وانطلقتْ (العربية) على إيقاع خطوات الحصان، نحو رأس أعبيدة، وطلبت منه أن يخبر والدي ويأخذ منه أجرته.
وصلنا بيت (عمتى زينب) وكان الصراخ والعويل يعلن أنه عزاء. وعندما دخلت احتضنتني (عمتي زينب) وهي تنتحب (أمبيويه مات، يا حميدا.. غرق في البحر!) كنتُ حينها متحفزا للخروج إلى الشارع، فالصبية في مثل عمري ومنهم أبنها محمد على جديوه وعدد من أقاربي. قضينا الليلة في (حوش العزاء).
صباح اليوم التالي، وفيما كنا نلعب، في الشارع، ما بين صفي كراسي المأتم، سمعنا صراخا وهرجا قادما من أول الشارع: "أمبيوه حي.. أمبيوه حي" وكان امبيوه يتوسط الحشد الذي يحيط به، وكانت له مشية معروفة، (يتفاحج ) مباعدا ما بين ذراعيه. وانقلب الحزن فرحا، ولا أحد يعلم كيف وصلت (الدرابيك) داخل البيت، و (الطبول) أمامه فصار العزاء عرسا حقيقيا.
كان (امبيوه) غطاسا ماهرا ضمن بحارة مركب تبحث عن مخلفات الحرب من حديد السفن الغارقة، والطائرات التي أسقطتها المدافع. ومالت المركب بسبب ثقل حديد وغرقت، ولم ينج أحد من بحارتها سوى (امبيوه) الذي ظل يسبح عشية وليل بطوله حتى وصل شط ( بوفاخره) .
كان مازال له عمر وبحار أخرى يجوبها، فلقد عمل بحارا على سفينة إيطالية قفز إليها، مثلما قال، من ميناء بنغازي، ولما وصل أوروبا تنقل من سفينة إلى أخرى، وانتهى بمركب دنماركي لصيد الحيتان، وظل هناك زمنا، إلى أن عاد إلى ليبيا مطلع الثمانينات وألتحق بميناء بنغازي، فلقد اكتسب خبرة صناعة الحبال السميكة التي توثق السفن بالموانئ. ظللت أراه حتى رحيله رحمه الله، وكأنه (جريجوري بيك) بطل رواية (موبي ديك)، الذي لم يقل (هرمان ملفيل) في روايته أنه سوف يسبح حتى شاطئ بوفاخره، شمال غرب بنغازي .
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات