علي المرء الذي ينكر الواقع أن يعيش حالة غيبوبته الشخصية فيه، حتي وإن أفلح ذاك الناكر في تغييب وعي الناس بتزيفه للحقيقة، من هنا تأتي إشكالية التأريخ، فالتاريخ ليس قضية مستقلة عنا نحن الأحياء بسبب ارتباطه بالحاضر وامتداده في المستقبل بسبب أثر تراكمه الزمني في القادم من أيامنا. فالتاريخ يعيد نفسه ليس اعتباطا، ولكنه يعود، أو يعيد نفسه، في شكل "عودة للمكبوت" في ذاكرة أو وجدان أي من شعوب الأرض.
هيجل أطلق على هذه المحنة "مكر التاريخ". فالأمم التي تعي محنتها ستسعى لتفكيكها نقداً وتحليلاً لاستخلاص الدروس والعِبر عبر اجتنابها لذات أخطاء الماضي ضمن مسيرة بنائها لغدها بهمة حية.
الاستبداد كظاهرة حكم وسلطان كان متعايشاً مع تاريخ البشر كونه مزروعا طبيعيا في فطرة البشر الميّالة للأنانية والتحكم والسيطرة، وتجريد الآخر ظلماً من ذاته وحقوقه، والسخرية من أحلامه، فالاستبداد كمصطلح حديث العهد، يظل اليوم مرادفاً للمفردة اللاتينية ديكتاتوريا، او للمفردة العربية الكلاسيكية الطاغوتية أو الطغيان، كون المفردتين باللغتين تعزز حكم الفرد في نظام شمولي يحتكر الحياة والتوجهات فيها.
ففي المرجعية العربية الاستبداد تعني "الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرارات وتنفيذها"، كما هو في الجملة الشهيرة "إنما العاجز من لا يستبد"، والاستبداد بلا عدل هو الطغيان، كما جاء في وصف القرآن الكريم لفرعون بالآية الكريمة "إذهب إلى فرعون إنه طغي".
وقبل ظهور الإسلام، ظهر في نجد "المستبد" حجر بن الحارث الذي رمى سيطرته وزعامته بالمنطقة، وانتقم من بني أسد الذين ثاروا علي طغيانه وسلطانه، فاعتبرهم عبيدا في حالة عصيان مفتوح، فشن عليهم حرباً شرسة، وقتل أسراهم ضرباً بالعصا، ومن هنا جاء التعبير العربي المتداول "عبيد العصا". "حق الليلة الأولى"، الذي اشتهر في تاريخ الإقطاع بفرنسا قبل الثورة؛ الذي كان يمنح الإقطاعي حق الدخول بمن تتزوج من عذارى أرضه قبل زفها لعريسها، كان موجوداً في بلاد العرب قبل الإسلام، فقد كان الطاغية غمليق، ملك طسم وجديس قد رسخ لنفسه حق الليلة الأولى لأي عذراء تتزوج من أهل جديس، كما يبيّن جمال البنا في مقدمة كتاب كيف تفقد الشعوب المناعة ضد الاستبداد؟.
شاعر العرب المتنبي في إحدى سقطاته كشاعر، جاء في لحظة رهيبة، رغماً عن اعتناقه الإسلام، ليشيرإلى للاستبداد بشكل صادم في أحد أبياته، حين يقول:
فما في سطوة الأرباب عيب
وما في ذلة العبدان عار
الحضارة الاغريقية عاشت، هي الأخرى، حقبة مزدوجة من الاستبداد، الأولى كانت حينما سيطر الارستقراط علي المدينة، ومناحي أنماط الحياة فيها، وفق نهجهم ورؤاهم حتى قرابة العام 400 قبل الميلاد، إذ انقلب حينها "الاستبداد" للحيلولة دون استمرار الدستور ولديمومة الرؤى الارستقراطية في المدينة الاغريقية. فللاستبداد دواع توجده وتبرز القابلية له.
القابلية للاستبداد لا تأتي من فراغ إذا ما اعتبرناه حالة ثقافة، عوضاً عن أنها ظاهرة نفسية عامة تمد أطنابها في المجتمع فيكون مستعداً للخنوع بناء على معطيات داخلية، وأخرى خارجية، تناولهما أهل الاختصاص شرحاً وتفصيلاً في عالمنا المعاصر علي وجه التحديد، كالشعور الدائم بالخوف، والإحساس بالتبعية للمتغلب، والصبر على الظلم، ولزهد غير حقيقي في الدنيا، أو كما يشاع "زهد الخائف المكره". وهناك عامل الفردية والأنانية، أو كما نقول بعاميتنا الجميلة "اخطى راسي، وقص".
وهناك عنصر العيش بحتمية الاستبداد، والاستسلام للأمر الواقع. فالاستبداد في جوهره أزمة قيم، وسياسياً ما هو إلا أزمة شعب فقد قيمه وإنسانيته فحول نفسه لقطيع يبحث عن مستبد ليحكمه كما يقول إبراهيم الديب في دراسته التحليل القيمي للاستبداد.
العادل المستبد، كوجه من وجوه الحكم الرشيد في الفكر العربي، والتي يروج لها بعض من أنصار التيار الديني لمراهنة الطغيان، وللصبر علي ظلمه من جهة، وللتنكر للحرية والديمقراطية من جهة أخرى، كونهما صنعية غربية و "رجس من عمل الشيطان".
رغم أن واقع الحال في مرجعيتنا الفكرية يشير إلى أن العادل المستبد نتاج تفاعل العرب مع ثقافة الفرس، التي وصلت للعرب عبر الأدبيات السياسية المترجمة حول أردشير "الموحد"، الذي استطاع أن يلم شمل أمة فارس تحت سلطانه وبلواء الدين في تحالفات صكها مع رجال معابد عصره. فأردشير استمد شرعيته من الدين الذي عين نفسه حامياً له.
كما أن كسرى* في ثقافة الفرس عُد "العادل المستبد" دنيوياً، لأنه جاء برد أملاك الأغنياء التي سلبها منهم أردشير، وأعاد لهم اعتبارهم وقربهم لبلاطه. هذا موجز بسيط لأصل "المستبد العادل" في ثقافتنا وكيفية انسيابه كمفهوم في الثقافة العربية عبر ما يعرف بالآداب السلطانية التي كانت منتشرة في عهد الأمويين وازدهرت عند العباسيين، مع المحافظة على الدلالة في المعاني للمفردة "مستبد" بين الأمس واليوم كما أشرنا أعلاه، لأن هناك خطاباً محافظاً يظل ينادي بالمستبد العادل ترسيخاً للظلم والارتهان له بعدم مطالبته بالإصلاح قبل الخروج عليه، في محاولة لتأبيد الطغيان في ثقافتنا التي باتت مأزومة.
إن العلم بالفكر الاستبدادي، أو بكونه غريزة بشرية يعد صمام أمان للحيلولة دون قيامه، أو للحيلولة دون سعيه الدؤوب عبر التاريخ للنيل من كرامة الإنسان عموماً، ولإيقاف نهجه المعهود بكسر الدساتير واختراقها بسبب أسلوب الاستبداد بشيطنة الصوت الآخر، وتأليه الحاكم الطاغي على الإنسان والتراب والوقت كما يبيّن مالك بن نبي في مشكلات الحضارة والقابلية للاستعمار، فالقضية عند بن نبي منوطة بتخلصنا من ثقافة الرعية -"الأهالي"- التي يستغلها الاستبداد في أنفسنا من استعداد مستمر لخدمته، بحيث نشعر أو لا نشعر.
فما دامت سلطته الخفية في تسخير هكذا ثقافة واهنة فلا رجاء من الخلاص من المستبد، أو التحرر من مستعمر يدك الأبواب بتشتيت الطاقات الاجتماعية ليتسنى له توجيهها، فإخراج المستبد في داخلنا، حتى وإن كان عادلاً، وفق التيار التقليدي، سيحقق انفراجاً لبزوغ عقل ناضج وروح واعدة، وحتماً سيفسح مجالاً لترسخ مفهوم "مواطنة" تتجاوز صفة "مواطن" في اوراق رسمية لازالت متداولة منذ عقود استقلالياتنا بالمنطقة.
* كسرى منصب الحاكم، مثل الفرعون والملك والخليفة... إلخ. وليست اسما لشخص بعينه. (المحرر).
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات