Atwasat

الثقب الأسود وخطر الانقراض!

محمد طاهر الأحد 14 مارس 2021, 12:03 مساء
محمد طاهر

أرى أن نقد الواقع خرج من باب "الترف" وأصبح مسألة ملحة تفرض على الجميع أن يكونوا مستنفَرين وعلى قدر كبير من اليقظة، خاصة حين تسوء الأحوال وتنقلب الموازين إلى درجة خطيرة مثلما هو الحال الآن.

في مثل أحوالنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة، يصدم قبح الواقع الراهن كل حس سليم. يحدث ذلك على الرغم من مبررات التحول ومتطلبات المرحلة وضريبة الديمقراطية، وما شابه، التي يسوقها البعض لجبر الخواطر أو التعمية أو للمساعدة على تحمل الصدمات والتعايش مع توالي الكوارث والسقوط المتوالي في هوة لا قرار لها.

الغاية خلف مثل هذا الاستنفار والتحفز يتمثل في محاولة تقصي وفهم ما يدور.
يمر هذا النوع من الرفض بوسائل تعبير متنوعة لتفسير ما يجري، والذي يبدو للوهلة الأولى مفاجئا وطارئا وخارجا عن السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي.
لا يمكن بطبيعة الحال نقد الواقع بمجله ووضع تشخيص عام يعيد بدرجة ما من المعقولية ترتيب هذه الفوضى العارمة والوصول إلى جذورها الحقيقية.
أحاول في هذه الأسطر أن أتحدث عن جانب واحد. وأعتقد أنه يمكن أن يكون دليلا في مشوار طويل لا يتوقف إلا في محطات مؤقتة.
هذا النهج لا يقدم إجابات سحرية ولا وصفات نهائية، وذلك لأن حالتنا الراهنة تحتاج إلى وعي مفقود وعمل غائب وزمن مهدور، وهنا لب المشكلة.
ما يعنيني في هذا الخضم تحديدا منظومتنا الأخلاقية، التي أرى أنها تمثل مركز الثقل المسؤول عن الحركة والسقوط.
هذه المنظومة الأخلاقية العملية في نظري وقد أكون مخطئا، تعتمد على اللغة وهي مبنية تحديدا على المبالغة وعلى تقاليد الكلام أو ما يمكن تسميته باللغو، ولذلك هي لا تعمل.
يظهر ذلك بعد أن مرّت اللغة العربية بمراحل تفسخ وانحلال لم تتوقف منذ قرون، انحسرت خلالها أمام مد اللهجات المحلية واستقوائها المتزايد.
يبدو اعتماد المنظومة الأخلاقية المهيمنة على "الكلام" جليا في السلوكيات السائدة وفي المعاملات اليومية، ما يرفع من دور اللغة "السحري" على حساب مقياس "العمل"، الذي نادرا ما يستعمل كمعيار أساسي.
هذه الفجوة التي قد لا يلتفت إليها الكثيرون، تتحول في نهاية المطاف إلى فجوة هائلة يمكن تشبيهها بثقب أسود يبتلع أي ضوء ويهددنا بالانقراض.
وأرى تأسيسا على ذلك، أن عملية الانهيار الكبرى لم تبدأ فجأة وبطريقة طارئة في العقود الأخيرة، وهي انطلقت منذ أن "تعثر اللسان" وضعفت اللغة وتراجعت تاركة مكانها لبدائل شتى يزداد نفوذها يوما بعد آخر.
الوجه الأخر لهذا الوهن يكمن في "تزكية" الكلام واعتباره صاحب الكلمة الفصل والحجة القاطعة، مقابل إيلاء "العمل" دورا ثانويا في موازين الأحكام.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»