Atwasat

المجتمع المدني و .. ميدان الجرة!!

محمد عقيلة العمامي الأربعاء 02 يوليو 2014, 01:12 مساء
محمد عقيلة العمامي

مأخوذٌ أنا بالتاريخ والتأريخ. لا أذكر أنني غبت عن محاضرة من محاضرات الدكتور فوزي جادالله -رحمه الله- أحد أساتذتنا في جامعة بنغازي، عندما وصلناها سنة 1967م. لقد توطدت صلتي به، كان رئيسًا للقسم، وصار يعاملني كما لو أنني زميله بمجرد أن أحس بعشقي لهذه المادة. ففي السنة الأولى كان يتعين علينا دراسة الفروع كلها، قبل التخصص في السنة الثانية. وكان قسم التاريخ هو رغبتي وهوايتي وغايتي، غير أن رفاقي أقنعوني بأن أتجه إلى اللغة الإنجليزية.

مأخوذٌ أنا بالتاريخ وبالكتاب التاريخي الجيد، الذي يخبرك بأن التاريخ من دون تواريخ ليس بتاريخ، وقلت لكم من قبل إن كتاب الأستاذ / مفتاح السيد الشريف: "ليبيا.. الصراع من أجل الاستقلال"، من الكتب الناضجة الدقيقة المفصلة التي تناولت تاريخنا، وقد شكرني بعض الأصدقاء لأنني أوصيتهم بقراءته.

وقد وجدت كتابه الثاني: "ليبيا.. نشأة الأحزاب ونضالاتها"، وعلى الرغم من تركيزه الواضح، في هذا الكتاب، على جمعية عمر المختار، باعتبار أنه أحد شبابها، إلاّ أنه قال ثيرًا عن إرهاصات الأحزاب الأولى، من دون أن يترك ما له علاقة بتلك الأحزاب ومسيرتها السياسية خصوصًا جانبها المدني.

مدارس العمال الليلية خرَّجت المئات من رجال ليبيا الذين قادوا البلاد خصوصًا عند قيام المملكة الليبية. وتواصل عمل المدرسة باقتدار حتى أنهاها حكم القذافي، الذي أصر أن يسمى ميدان السلماني بميدان الجرة! متجاهلاً أسماء خدمت البلاد لوجه الله ومحبة للوطن ... والتي هي بالتأكيد أفضل من الجرة!!

ولقد ابتهجت بتناوله التعليم المسائي، متخذًا من مدرسة العمال الليلية في بنغازي نموذجًا، ولأنني مَدِينٌ لهذه المدرسة بمستقبلي كله، فلولاها ما تمكَّنت من مواصلة دراستي، خصوصًا وأنني عندما تركت الدراسة الصباحية كنت مشروعًا لشاب طائش مغرور، رنت النقود مبكرًا في جيبه، بل طُويت أوراق الخمسينات الجنيهات بعناية في محفظة اشتراها لهذا الغرض.

وكانت مباهج الحياة كثيرة في بنغازي الهادئة، الدافئة، الصغيرة. في أوائل ستينيات القرن الماضي، كان بها حوالي ثماني دور عرض سينمائي، وحوالي ست مكتبات عامة: "المصرية والأميركية والبريطانية وثلاث مكتبات تتبع نظارة المعارف".

وكان في بنغازي حوالي خمسة نوادٍ ليلية تستجلب، شهريًّا، الفرق الاستعراضية من اليونان وباريس وأسبانيا، ويوجد في بنغازي عددٌ من الحانات، وكان الناس لا يرحمون مَن ينحرف من الشباب نحوها، ناهيك عن أقليات أجنبية يعد الاقتراب منها شكلاً من أشكال التحضر مثل النادي الكاثوليكي ونادي الملاحة ونوادٍ لعدد من جاليات أجنبية بشواطئ البحر.

كان للشباب الليبي نواديهم الرياضية الليبية، ومصيف جليانه، وكان الكبار يرون أن رعايتهم للصغار واجبٌ بل فرضٌ مقدَّسٌ.

مدرسة العمال الليلية
لقد اشترط عليّ المرحوم محمد سالم ناظر الأشغال في ذلك الوقت الدراسة المسائية، حتى تُصرف لي دراجة، بعدما عينني قارئًا لعدادات الكهرباء، وكان هذا الوعد كفيلاً بموافقتي. ذهبت إلى مدرسة الأمير المسائية، وهناك وجدت أن كثيرين من رجالها، من منطقتي، وعددًا منهم من شارعنا، ونخبة أخرى من رواد مقهى (سي عقيلة) فرحوا بي، وضيقوا الخناق عليَّ، فكان الغياب، حتى لحضور فيلم "رصيف نمرة 5" أمرًا خطيرًا للغاية، من هؤلاء الأساتذة : الطاهر الشريف ورجب النيهوم ومفتاح شرمدو وطالب الرويعي، رحمهم الله جميعًا وأطال عمر الأستاذين يوسف الشيباني، وأبوبكر عمر الهوني، وكانوا جميعًا من شوارعنا. وهكذا كانت فرص الغياب معدومة!

لقد اشترط عليّ المرحوم محمد سالم ناظر الأشغال في ذلك الوقت الدراسة المسائية، حتى تُصرف لي دراجة، بعدما عينني قارئًا لعدادات الكهرباء، وكان هذا الوعد كفيلاً بموافقتي.

أتممت الدراسة الابتدائية سنة 1960م ولم تصبح مدرسة الأمير المسائية تحت إدارة نظارة المعارف، إلاّ سنة 1963م، حيث تحصلت منها على شهادة إتمام الدراسة الإعدادية، أما مرحلة الدراسة الثانوية فكانت بمدرسة شهداء يناير. لقد كتبت عددًا من المقالات عن هذا الصرح التعليمي الذي تخرج فيه الكثيرون، وقد دققت وتابعت نشأتها، وكانت المعلومات التي استقيتها من صديقي الحاج عبد السلام حويو عن ذلك المشروع الباهر كثيرة موثقة، بما فيها الوثيقة (الأصلية) التي نشرها الأستاذ مفتاح السيد لشريف في صفحة 155م. ولأن صديقي عبد السلام أكاديمي، فقد احتفظ بمستندات تلك المدرسة باعتبار أن والده محمد العالم حويو صاحب مبادرة تأسيسها، مثلما كان عمه المرحوم سعد حويو، وأيضًا، صديقهما مفتاح مبارك الشريف. أريد فقط أن أضيف معلومة لم يتطرق إليها مؤرخنا الكبير، وهي أن المدرسة ابتدأت في مدرسة الأميرة، سنة 1946م بالقرب من منطقة الفندق البلدي، وكان اسمها في البداية (مدرسة الكناسين)، كان الفقر سبب تأسيس تلك المدرسة، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية واجه الناس بؤسًا شديدًا، ولهذا فتحت البلدية فرص عمل للشباب لتنظيف البلاد من مخلفات الحرب، فأحزن المؤسسيين منظر شباب بنغازي يدفعون عربات جمع المخلفات، في الوقت الذي يتعين فيه أن يكونوا فيه في المدارس، فتأسست مبادرتهم.

أصبح الشباب يخرجون صباحًا بعرباتهم يجرونها، وعندما يحين موعد الدراسة يركنونها في الفناء ويدخلون حصصهم، ولم يستمر بقاؤهم في تلك المدرسة أكثر من سنة واحدة ثم انتقلوا إلى مدرسة الأمير، بمعاونة الأستاذين مصطفى بن عامر وعلي فلاق. وأذكر أن الطالب رقم"1" في سجلات مدرسة الأمير الابتدائية هو فرج بوخزام.

أود أن أشير إلى أن كلاً من الأستاذ أبوبكر عمر الهوني والأستاذ يوسف الدلنسي والأستاذ حبيب الصابري والأستاذ السنوسي الدغيلي كانوا من مدرسيها، ومن المتطوعين عدد من الطلبة منهم صادق النيهوم ومحمد جحا الهوني والسنوسي حويو ومفتاح الدغيلي. ومن أوائل متفوقيها المهندس نوري ارحومه والشيخ محمد الفيتوري.

لم يعد لي ما أقول سوى المناداة بتخليد مؤسسي هذا المشروع المدني الرائع بإطلاق أسمائهم على ميادين وشوارع المدينة ... وما كنت لأتطرق إليه مرة أخرى، بعد أن كتبت عنه أكثر من مرة، لو لم تقع في يدي قصة المواطن الكوري (كي وون يونغ بال)

قصة المواطن الكوري (كي وون يونغ بال)
لقد كتبت عددًا من مقالات عن هذه التجربة الثرية الفريدة، منها: "مدرسة الكناسين" و"جاب الله الفرج". ولم يعد لي ما أقول سوى المناداة بتخليد مؤسسي هذا المشروع المدني الرائع، بإطلاق أسمائهم على ميادين وشوارع هذه المدينة الولادة، التي لن تطول مأساتها بعون الله. ولكن لماذا أُعيد كتابة هذا الموضوع لكم؟ أنا في الواقع ما كنت لأتطرق إليه مرة أخرى، بعد أن كتبت عنه أكثر من مرة، لو لم تقع في يدي قصة المواطن الكوري (كي وون يونغ بال) الذي أعفوه من الخدمة في جيش جمهورية كوريا، وعيَّنوه سنة 1952 م –بعد مشروع مدرسة الكناسين بست سنوات! - في قوة البوليس الوطني. كانت وظيفته القضاء على المضايقات التي يسببها المتسولون الصغار للناس، خصوصًا الأجانب، إذ كان المتسولون الصغار يعيشون بحيلهم على ما يستطيعون أخذه أو سرقته من الأجانب، وعلى ما يجدونه من نفايات الطعام في علب القمامة. كان (المستر كي وون) طيب القلب، ولم يطل أمره حتى تمكَّن من كسب ود أولئك الأطفال، وصار يقضي معهم كل وقته، حتى أنه أسس لهم في خرابةٍ مدرسةً، وأخذ يغرس في نفوس الأطفال محبة العمل الشريف، والعلم. وكثر طلبته وتمكن سنة 1956م من إقناع هيئة تعمير كوريا، التابعة للأمم المتحدة من دعمه، فصار للمدرسة عددٌ من المصانع، وتخصصت في تعليم الطلبة والطالبات مهنا من مناهج دراسية تطول لمدة ثلاث سنوات، وهي ما كان لها الأثر الفعال في بيوت التجارة والصناعة في سيول، ولو أن صبري طال قليلاً لوجدت لكم ما يؤكد أن ما تقدِّمه سيول لأسواقنا من منتجات سامسونج مثلاً صنع بأيدي طلبة (مستركي وون).

بقي أن نعرف أن الكوريين سموا واحدًا من أفضل ميادينهم باسمه! فهل نفعل نحن الشيء نفسه؛ فمدارس العمال الليلية خرَّجت المئات من رجال ليبيا الذين قادوا البلاد خصوصًا عند قيام المملكة الليبية. وتواصل عمل المدرسة باقتدار حتى أنهاها حكم القذافي، الذي أصر أن يسمى ميدان السلماني بميدان الجرة! متجاهلاً أسماء خدمت البلاد لوجه الله ومحبة للوطن، ما عليكم إلاّ أن تتلفتوا يمينًا ويسارًا وسوف تسمعون عن كثير منهم تسبقهم سمعتهم أينما ذُكرت أسماؤهم، التي هي بالتأكيد أفضل من الجرة!!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»