تجلس الطفلة زينب، ابنة الثمانية أعوام، في غرفة معتمة لا تنيرها سوى مصابيح خافتة باللون الأحمر، وهي ترقب بشغف وانتظار ولادة تظهير الصور التي التقطتها عدستها، بعدما تحولت إلى ظلال وخيالات على شريط تصوير فوتوغرافي قديم، ضمن مشروع فني مخصص لأطفال محليين ومهاجرين في مدينة ماردين التركية، القريبة من الحدود المشتركة مع سورية والعراق.
وتحت أنظارها المتلهفة، يعمل المصوّر الأربعيني عمار كيليتش على طباعة صورها داخل غرفة التحميض، مسائلاً إياها في تلك الأثناء عن مدى فضولها لمعاينة النتيجة، لتجيبه الطفلة بعبارة بليغة تلخص شغف جيلها قائلة «وِسع العالم»، وفق تقرير وكالة «فرانس برس».
وتعد زينب، المتحدرة من محافظة ماردين في جنوب شرق تركيا، واحدة من ثمانية أطفال يشاركون في ورشة استثنائية للتصوير الفوتوغرافي التناظري باستخدام الأفلام القديمة تمتد لشهرين كاملين، وتقام في إطار مشروع «فوتوهانه دارك روم» أو «بيت الصورة»، الذي أطلقه كيليتش والمصوّر السوري سربست صالح في ماردين العام 2014، وهو الاسم الذي اختاره الأطفال بأنفسهم في ذلك الوقت، حيث يصر القائمون على الورشة على ترك زمام الأمور كاملة في أيدي الصغار، بدءاً من وضع الفيلم في الكاميرا، وصولاً إلى تحميضه وطباعة لقطاتهم ووضع قواعدهم الخاصة وحدهم.
وتختزن المدينة القديمة في ماردين بأسوارها وأزقتها العتيقة تاريخاً ضارباً في القدم يعود لآلاف السنين، وبينما تجذب السياح من مختلف دول العالم، فإنها تحتضن في الوقت ذاته عائلات فقيرة ولاجئين فرّوا من النزاع الدامي في سورية؛ ومن بين هؤلاء الأطفال يحيى، ويوسف، ونهال، وسام، الذين تتراوح أعمارهم بين الحادية عشرة والثالثة عشرة، والذين لجأوا رفقة ذويهم إلى تركيا بين عامي 2014 و2015 بالتزامن مع توسع العمليات العسكرية وتنظيم الدولة الإسلامية هناك.
وتعبر الطفلة نهال عن هذه التجربة الفريدة وهي تبحث عن لقطة مميزة لتوثيقها بكاميرتها الصغيرة السوداء المتدلية من معصمها، مؤكدة أنها تشعر بحماس شديد وإثارة بالغة عند التقاط الصور.
- بريطانية تفوز بجائزة «التصوير الفوتوغرافي للطعام» لعام 2026
- ذاكرة غزة الحية.. عدسة مصور أرمني تخلد ملامح بهجة مفقودة
- صورة لعائلة إكوادورية تنال جائزة «وورلد برس فوتو».. وأخرى لفلسطينيين تصل المرحلة النهائية
وتتشابه قصة هؤلاء الأطفال مع قصة مدربهم سربست صالح (32 عاماً)، والذي فر بدوره من مدينة كوباني (عين العرب) ذات الغالبية الكردية شمال سورية بعد حصارها العام 2014؛ وعلى الرغم من المعاناة الشديدة التي عاشها مع الحرب واللجوء، يصر صالح بابتسامته الدائمة على تحويل الأنظار بالكامل نحو إبداعات الأطفال الذين يدربهم بروية تامة، متحدثاً إليهم بمزيج من اللغات التركية، والكردية، والعربية، والإنجليزية.
«الغرفة السحرية»
يذكر أن صالح قد أطلق أولى ورشات التصوير التناظري في العام 2015 مستخدماً مقطورة مستعملة تجول في القرى على طول الحدود التركية السورية، مركزاً جهوده على الأطفال المحليين واللاجئين المنتمين للفئات الأكثر ضعفاً.
ويوضح صالح أن التصوير التناظري يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ«الثقة بالنفس»، فبينما يسهل حذف اللقطة الرقمية فور تصويرها، فإن العمل بالأفلام القديمة يجبر الأطفال على قضاء فترة الورشة كاملة وهم يفكرون ويشعرون بكل إطار من الإطارات الستة والثلاثين للفيلم، ليتفاجؤوا بالنتائج الجميلة في النهاية.
ولا يخفي الصغار أن الجزء المفضّل لديهم في هذه التجربة هو غرفة التحميض التي باتوا يطلقون عليها اسم «الغرفة السحرية»، حيث يولد السحر وتتشكل الصور الملتقطة بأيديهم على الورق الأبيض لخلق شعور إنساني خاص جداً.
ويعتمد هذا المشروع المستدام بشكل أساسي على تبرعات وإيرادات الفعاليات المنظمة في الخارج، حيث تُعرض صور هؤلاء الأطفال هذا الصيف في معارض متفرقة بإيطاليا، وبلجيكا، وبريطانيا، وإندونيسيا، في وقت يخطط فيه الثنائي صالح وكيليتش للعودة إلى الفكرة الأصلية عبر تحويل الغرفة المظلمة إلى مقطورة متنقلة تزور مناطق جديدة لتقديم التدريب وترك الشعلة للأطفال لمواصلة مسيرة التوثيق والإبداع.
تعليقات