عبدالمطلب بوسالم باحث ومهندس ليبي متحصل على بكالوريوس هندسة مدنية 2002، وماجستير في المشاريع الهندسية العام 2015 من جامعة طرابلس، عمل في عدد من المرافق الهندسية، ويشغل حاليًا مهام بوزارة الثقافة والتنمية المعرفية، وسبق أن تقلد منصب رئيس مجلس إدارة مركز «ارسيكا» باسطنبول التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، وعُرِف عنه اهتمامه بالبحث في التراث والتاريخ الليبي، واشتغاله على تقاطعات الهندسة وصون المباني التاريخية، إلى جانب نشره عددًا من الورقات البحثية وترؤسه لجانًا ذات صبغة فنية وبحثية بالتعاون مع منظمات دولية.
تحدث عبدالمطلب بوسالم في حواره مع «الوسط» عن طبيعة منهجه في تناول القضايا الأكاديمية الليبية، وتقييمه لواقع البحث العلمي في البلاد، وأبرز الفجوات المعرفية التي تحتاج إلى معالجة عاجلة، بالإضافة إلى رؤيته لدور البحث المتعدد التخصصات في دعم الهوية الوطنية، والإسهام في صياغة مستقبل أكثر توازنًا واستدامة.
-كشف هوية «سلطانية» نادرة تعود إلى يوسف باشا القرمانلي
-القيب يوقع مع «يونسكو» اتفاقية مشروع التحول الرقمي للجامعات الليبية
كيف تصف منهجيتك البحثية في تناول القضايا الأكاديمية الليبية؟ وما الإطار النظري الذي تستند إليه في تحليلاتك؟
أبدأ بجمع البيانات من مصادر متنوعة، تشمل الدوريات الأكاديمية الليبية والأجنبية والكتب، وأهم مصادري دائمًا من مختلف المؤسسات البحثية ودور النشر، فأنا أعتقد أن اهتمامي بالتراث والتاريخ لا يمكن أن أستقيه من مصادر محدودة، حتى أستطيع المقارنة، والوصول للحقيقة في أقرب نقطة لها. كما لا أتعامل مع القضايا الليبية كأحداث معزولة؛ بل أربطها بجذورها التاريخية مثل أثر العهد القرمانلي أو الملكي، أو فترة الجماهيرية، لفهم التحولات البنيوية، فالسياق التاريخي مهم جدًا للوصول إلى نتائج، ودائمًا أفضل نظرية الواقعية المجردة من الأهواء الشخصية أو الرسمية للدولة، وإن كانت تضم بعض الحقيقة، وليست الحقيقة المطلقة.
في ظل التحديات السياسية والاجتماعية الراهنة، كيف يؤثر السياق الوطني على إنتاج المعرفة الأكاديمية في ليبيا؟
عدم وجود هيكلية واضحة للحكومات المتعاقبة، وبالتالي الاستقرار الإداري للمؤسسات، خلق فجوة بين المؤسسات التعليمية من جهة ومؤسسات الثقافة المجتمعية والثقافة الأكاديمية، إن صح القول، من جهة أخرى، مما يجعل من الصعب على الباحثين التأثير في القرارات السياسية أو الإسهام بفعالية في تطوير المجتمع. ناهيك عن تدني المردود المالي للباحثين وأصحاب الإنتاج الفكري والعلمي الرزين في مواجهة الروتين البيروقراطي، وغياب المناخ العلمي المناسب، إلى جانب هجرة واسعة للباحثين الليبيين المتميزين إلى الخارج، مما انعكس على نقص في الكفاءات بالمجتمع. وبالتالي لا يزال الإنتاج المعرفي محدودًا مقارنة بدول الجوار أو المنطقة.
في تقييمك.. ما هي الفجوات المعرفية الكبرى في الدراسات الليبية المعاصرة التي تحتاج إلى تركيز بحثي عاجل؟
الثقافة والفنون تعد أدوات دليل للفجوات، والربط بينها وبين الدراسات الليبية المعاصرة، فالتحديات التي تعصف بنا، من تغيرات متسارعة سواء الاقتصادية أو المجتمعية، وحتى المناخية، تحتاج منا إلى تطوير السلوك المجتمعي عبر تعزيز الهوية والتراث الثقافي، والشعور بالانتماء الوطني والاعتزاز به، مما يخلق رؤية مستقبلية نحو نهضة شاملة تسهم فيها بلا شك البحوث والدراسات العلمية.
ما التحديات التي تواجه الباحثين في الحصول على التمويل والدعم الأكاديمي، وكيف تتجاوزها في عملك؟
أبرز التحديات التي تواجه الباحثين هي المنافسة والمحدودية، حيث تشهد الجهات المانحة زيادة كبيرة في عدد الطلبات، مما يجعل الحصول على المنح التنافسية أمرًا بالغ الصعوبة. كذلك التوازن بين العمل والتفرغ للبحث من تحديات بيئة العمل. ولتجاوز هذه العقبات، يمكن اتباع بعض المنهجيات مثل التركيز على الأثر المجتمعي، وتنويع المصادر، والتركيز على التدريب، والتعاون العابر للتخصصات ضمن فرق بحثية.
كيف تقيِّم تجربة النشر العلمي الليبي والعربي مقارنة بالمعايير الدولية، وما الخطوات العملية لتجاوز الفجوات الحالية؟
للأسف يعاني البحث بصفة عامة في ليبيا فجوة واضحة عند مقارنته بالمعايير الدولية، وإن كان هناك تحسن طفيف ملموس في السنوات الأخيرة نتيجة النشر الإلكتروني عبر المنصات الرقمية، مثل المجلات العلمية العربية، لكنه أقل من 1% بالفهارس العالمية، بينما تسهم المنطقة العربية بنحو 0.5% فقط من إجمالي المستندات العلمية المنشورة عالميًا. ولتحسين الأداء البحثي وإسهامه عالميًا، يتطلب ذلك بناء قدرات ذات كفاءات وفق معايير دولية مؤهلة، وكذلك تعزيز التعاون الدولي بين المؤسسات الليبية البحثية والمنظمات الدولية، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير الذي لا يتجاوز حاليًا 0.5% من الناتج المحلي في معظم الدول العربية مقارنة بـ2-4% في الدول المتقدمة.
هل تعتقد أن البحث العلمي في ليبيا يعكس تنوع الهوية الوطنية أم يميل إلى تجانس ثقافي معين؟ وكيف تؤثر هذه الظاهرة على المحتوى البحثي؟
في سياق تاريخي منذ استقلال البلاد منذ أقل من قرن، ركزت السياسات التعليمية والبحثية على تعزيز الهوية العربية - الإسلامية كعنصر وحيد للهوية الوطنية، مما قلل من تناول البحوث المكونات الثقافية واللغوية الأخرى، بينما تناولت الجوانب التاريخية البعدية من جانب تاريخي بحث كالروماني والإغريقي. انعكس تأثير هذه الظاهرة على المحتوى البحثي، حيث إنه يفتقر للتوثيق، مما يؤدي إلى التركيز على إنتاج بحوث تنموية قد لا تتناسب مع احتياجات المجتمعات المحلية المتنوعة، ما يجعل بعض التوصيات البحثية غير قابلة للتطبيق.
ما رؤيتك لدور البحث المتعدد التخصصات في معالجة القضايا الوطنية المعقدة؟ وهل هناك مشاريع أو مبادرات قمت بها في هذا الاتجاه؟
الباحث الموسوعي ظاهرة عرف بها جل العلماء القدامي وحتى الحضارات القديمة، بينما في بلادنا هناك رفض لهذه الظاهرة بحجة التخصص الأكاديمي الدقيق على عكس المتبع في جل العالم، حيث أصبح هناك مصطلح يُسمى «كسر الصوامع المعرفية» أو «الابتكار عند التقاطعات»، لأننا ببساطة نحتاج إلى خبير في مجالات عدة، وهنا تأتي تجربتي، حيث إنني متخصص في الهندسة المدنية، وأحمل درجة الماجستير في المشاريع الهندسية، ونميت قدراتي وصقلتها لسنوات مع المنظمات الدولية في صون وحماية المباني التاريخية التي تُسمى «تراثا غير مادي»، بالإضافة إلى الدراسات التاريخية العميقة للقرن الثامن عشر والتاسع عشر، مما ساعدني على فهم الكثير من الأمور المتعلقة بجوانب عملي، وبالتالي أسهمت في نشر العديد من الورقات البحثية بهذا المجال، ونشرها في الدوريات والمطبوعات، بالإضافة إلى رئاستي لجانا عدة ذات صبغة فنية بحثية تتعلق بالعمل مع المنظمات الدولية.
تعليقات