يخضع مبنى بلدية بنغازي التاريخي، الذي يُعدّ أحد أبرز معالم المدينة، لأعمال ترميم دقيقة ومكثفة حاليًا، بإشراف مباشر من جهاز المدن التاريخية.
ويُنفذ المشروع عبر تعاون تقني مع شركات مختصة وبمشاركة خبراء محليين ودوليين، بهدف الحفاظ على الهوية المعمارية الأصيلة للمبنى وعدم المساس بتفاصيله المعمارية الدقيقة.
جامع لثلاث ثقافات
يرجع تأسيس المبنى إلى العام 1872، حيث بدأ بصالة صغيرة وطابقين وبدروم، وشُيّد أساسًا من مواد محلية كـ«الطين والحجر وأخشاب السنور والنخيل». ومنذ ذلك الحين، خضع لتوسعات متعددة على يد عميد البلدية أحمد المهدوي، حين اشترى منزلًا مجاورًا من مالك إيطالي وقام بإعادة بناء المبنى ليشمل مكاتب وصيدلية وقاعة استقبال.
يُعدّ هذا الصرح المعماري جامعًا لثلاث ثقافات مختلفة: «العثمانية عند إنشائه، وفترة الاحتلال الإيطالي عند تطويره، مع المحافظة على الهوية المعمارية المحلية». وتتركز الجهود الحالية على ترميم المبنى مع الحفاظ على معالمه الأساسية و«عدم تحويره أو تغيير ملامحه المتعارف عليها».
- تواصل أعمال ترميم قصر المنار ومبنى البلدية التاريخي في بنغازي (صور)
- بعثة جامعة باليرمو تواصل أعمال الترميم بالمواقع الأثرية في مصراتة
- ترميم موقع أثري في شحات تضرر جراء «دانيال»
- ترميم واجهات المباني التاريخية في شارع الاستقلال بطرابلس
تقول المهندسة المعمارية المشاركة في عمليات الترميم، سلوى سالم بورقيعة: «عندما بدأنا أعمال ترميم وإعادة بناء الجزء المنهار من مبنى بلدية بنغازي، وجدنا أنفسنا أمام تجربة استثنائية بكل المقاييس. فالمبنى بالنسبة لنا ليس مجرد هيكل حجري، بل جزء عزيز من ذاكرة المدينة، ومسؤولية الحفاظ عليه كانت شرفًا وتحديًا كبيرًا نحمله جميعًا».
وتكشف بورقيعة، في منشور لها عبر موقعها الشخصي على «فيسبوك»، عن أبرز التحديات التي واجهت فريق العمل: «أول ما واجهناه كان الافتقاد الكامل للمواد الأصلية التي شُيّد بها المبنى قديمًا. الحجر الجيري المحلي الذي كانت تُبنى به واجهاته بسمك 60 سم وارتفاع 30 سم وعرض 20 سم لم يعد متوفرًا، بل إن المحاجر التي استُخرج منها هذا الحجر توقفت عن العمل منذ سنوات طويلة. المفارقة أنّ كل مواد البناء المستوردة متوفرة، ما عدا المادة الأساسية التي نحتاجها للحفاظ على أصالة المبنى. وهنا أدركنا أننا أمام حالة نادرة جدًا في ليبيا».
وتضيف «ولم يقف التحدي عند المواد؛ فسرعان ما واجهنا غياب العمالة المحلية المتخصصة في بناء الحجر الغشيم التقليدي الذي يتكون منه المبنى الأصلي. هذا النوع من الحِرف اختفى تقريبًا من السوق المحلي، مما جعلنا نبحث عن بديل قادر على تنفيذ العمل بأصالة ودقة. ولذلك قمنا باستجلاب عمالة محترفة من مدينة حلب؛ خبراء يعرفون أسرار بناء الحجر الغشيم ويتقنون تقنياته القديمة. وجودهم بيننا كان عنصرًا أساسيًا في إعادة تشكيل الواجهة بطريقة تحترم أصل المبنى وتاريخه، مع الحفاظ على سلامته الإنشائية».
استبدال الزخارف القديمة بزخارف مطابقة للأصل
أمام كل هذه التحديات، ابتكر الفريق بحسب المهندسة بورقيعة «حلولًا إنشائية فريدة ساعدتنا على الحفاظ على روح المبنى دون التفريط في معايير الأمان والجودة. كان هدفنا واضحًا منذ البداية: أن نعيد الحياة للواجهة التاريخية كما عرفها أهل بنغازي، وأن يبقى المبنى شاهدًا على تراث المدينة».
وعقبت بورقيعة أنه «من القرارات التي نفخر بها، هو استبدال الزخارف القديمة المصنوعة من اللياسة الإسمنتية بزخارف مطابقة للأصل ولكن من الرخام المحلي برسس. هذا الخيار رفع قيمة الواجهة، وأعطاها عمقًا تاريخيًا وجماليًا يعكس أصالة المكان ويُبرز الهوية المحلية للمبنى»
واختتمت بالقول «عملنا اليوم في مبنى بلدية بنغازي ليس مجرد ترميم، بل إحياء لذاكرة مدينة كاملة. ونحن فخورون بأن نكون جزءًا من هذا الجهد، وأن نعيد لهذا المعلم مكانته التي يستحقها في قلب بنغازي وروحها».
تعليقات