في زمن تتراجع فيه الأصوات الشعرية أمام صخب الواقع، يظل الشاعر الليبي مفتاح العماري صوتاً استثنائياً، يحمل في نبرته ثقل التجربة وصدق الرؤية. هو شاعر معروف بـ«شاعر الجنود» وشاهد على زمن مثقل بالحروب، ومبدع حوّل قسوة الثكنة العسكرية إلى نصٍّ يتنفس الحرية ويبتكر معنى جديداً للألم.
العماري جعل من قصيدته وثيقة حية لتجربة الجنود، محولاً معاناة الفرد إلى مخيال جمعي يضيء زوايا مظلمة في الذاكرة الوطنية. في حواره مع «الوسط» يربط العماري بين المحلي والكوني، بين ليبيا المجروحة والإنسانية الرحبة، فيجعل من الشعر جسراً يعبر به من الرماد إلى المعنى.
في هذا الحوار، الذي يتجاوز شكل السؤال والجواب إلى فضاء التأمل العميق، نقترب من عوالم شاعر لم يكتف بكتابة القصيدة، بل سعى إلى تأسيس خطاب نقدي وجمالي متكامل.. إلى التفاصيل:
ما التجربة المُؤسِّسة في حياتك التي تحولت من واقع شخصي إلى سؤال معرفي يقود مشروعك الشعري اليوم؟
في البدء ما من شيء متعمّد. كان حدسي هو من دلّني على الشعر وحفّزني على محاولة كتابة قصيدة، وقراءة كتاب. ففي مجتمع الثكنات تمضي أوقات ما بعد الدوام الرسمي بالنسبة للعزاب بالانضواء في كَبّانِية (مجموعة) والتي غالباً ما يترجم نشاطها في أجزاء الوقت بإعداد المبكبكة ولعب الكارطة. اهتديت بطريقتي لتأسيس كَبّانِية من صنف آخر، أكثر جدوى من لعب الكارطة. يتألف رهطها من أشخاص على شاكلة جبران خليل جبران، وأبي القاسم الشابي، وابن المقفع وشهرزاد، وهمنجواي، وآخرين كثر؛ تناوبوا حسباً لمقتضيات الحال. فأن تكون مهدّداً بالضياع وفي وقت مبكر، سيلزمك تدبّر أكثر من وسيلة وأداة لإنقاذ نفسك. ولعلّ خوفي من التهدّم كان تجربتي الحياتية الأشد ألماً وقلقاً. تبدأ المسألة تحديداً من لحظة تعثر وارتباك؛ عجزت فيها عن تربية أحلامي بطريقة سوية وآمنة. تكفل لي في الحدّ الأدنى الظفر بهامش للتفكير بصوت مسموع، وأن أحِبّ، وتكون لي لغة واثقة لتحقيق تواصل مع محيطي الاجتماعي، وإبرام حوار إنساني بوصفي شريكاً حاضراً، لا مجرد أذن.
- للاطلاع على العدد «511» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
يبدو لي أن انسداد بيئتي في المنزل والشارع والمدرسة ثم الثكنة العسكرية، كان له التأثير البالغ في البحث عن حاضنة افتراضية لتربية الأحلام، وتحريك اللغة المكبوتة عبر صنف خاص من اللجوء الإنساني. والتوطن داخل المخيلة كمشروع للقراءة الحرّة، والإبداع الكتابي بشتى أجناسه. حيث كان للشعر الحيز الأوفر من الرفقة الرحيمة. كان الخوف من الضياع هو شعوري الملازم والمستبد خلال تجربتي الحياتية كجندي. وبقدر ما كانت البدايات محض أولية دفاعية ضد التهدّم المعنوي، حدث في السياق نفسه؛ أي بعد شوط لا بأس به في هذا المسار، أن وجّهت معركتي (داخل النص) وعن عمد، لتقويض الطابع الفروسي، بمفهومه الشعبوي السائد. الطابع الفروسي مرمزاً في ثكنة الجيش، في شخص القائد، وكل الجنرالات. وما تختزنه ذاكرتنا الوطنية بشكل عام من إرث دموي. سيما وأن حوليات التاريخ الليبي انطوت على ركام مهول من الحروب، وزعامات القتال، ومن ثم كانت المحطات الأبرز في هكذا ذاكرة، مجسدة في حَمَلة السلاح، والغزوات: من الإغريق والرومان، إلى الدواعش والكانيات، والغنيوات، مروراً بالفتح العربي، وحروب العشائر، والموحدين، والحفصيين، والإسبان، وفرسان القديس يوحنا، والعثمانيين، والطليان، ومعارك الصحراء الليبية في الحرب العالمية الثانية. حيث ما من حيز فاعل في أرشيفنا الثقافي، لمدارس الفكر ومجالس الفنون والآداب. وكم هو مؤسف الآن؛ حين يتهافت الناس على مقرات أمراء الحرب لقضاء حوائجهم، وفي الآن نفسه لا يحفلون برجالات الفكر والآدب.
الهامش والمدينية.. نشأتك في تخوم بنغازي كيف شكّلت طبقة الصوت في قصيدتك ورؤيتك للعالم وهل ما يزال الهامش مصدراً للمعنى لا للزخرفة؟
كانت أكواخ صفيح، بين أحياء الحميضة، وبن يونس وبوزغيبة. أحزمة هشة مثل النفايات، يسهل جرفها واقتلاعها وكنسها. فيما تظل الفترات التي تعرفنا فيها على مساكن الطوب قصيرة وعابرة قياساً بأحياء الأكواخ. وكانت بالإيجار، توزعت بين سيدي حسين، شارع الطيرة، سيدي عبدالجليل، الرويسات، والماجوري. لكن الفترة الحية التي ما تزال تحتفظ بقدر من الألفة والحنين كانت بحلاليق أو براريك الحميضة. على مرمى حجر من حي البركة، خلف المبيت الجامعي جهة الريمي. هامش هجين بين المدينة وأريافها، في وقت كانت فيه بنغازي تتشبّه بمدن الملح العربية. محض شكل، لا يميزها عن البوادي والأرياف سوى مظاهر العمران، وما ينطوي عليه من أسواق وموانئ ومراكز نقل واتصال، لكن الذهنية تكاد تكون هي نفسها.
ومنذ ذاك فقدنا الكثير من القيم ولم يتغير شيء باتجاه الأفضل إلا إذا اعتبرنا استخراج النفط بواسطة شركات أجنبية، واستعمال الراديو والتلفزيون، ومن بعد الهواتف الذكية بعقلية الصحراء، وإدارة دولة بزعامة شيخ قبيلة أو جنرال، ضرباً من التمدن.
في كل زيارة تقودني الى بنغازي، سأفقد المزيد من ممتلكات الماضي، حتى قبر أبي اختفى هو الآخر. وما من أثر للطفولة أو الصبا سوى ما أودعته القصيدة في ديوان مهجور. ولا أظن الآن بوجود هامش اجتماعي حقيقي للمدينة الليبية. بعد زوال تأثير الطبقة المتوسطة. فالليبيون بمختلف مناطقهم مجرد طبقتين: أغنياء لديهم فائض من الثروة تؤهلهم لغزو الأسواق، وفقراء يطمحون الى الثراء سعياً لغزو الأسواق نفسها.
ما الذي فعلته الثكنة والاحتكاك المباشر بالانضباط والقسوة في مفهومك للحرية والهزيمة وكيف تحوّل الألم الشخصي إلى معرفة قابلة للتعميم شعرياً؟
في الثكنة، أنت مجرد رقم. وستخضع رغماً عنك لصنف من التجريد المؤسس والممنهج الذي اخترعته أعتى وأقدم منظومة اجتماعية في التاريخ البشري. تجريد يجعل منك محض أداة قتل، وقطعة سلاح. هذا التشيؤ القسري سيحول طبيعتك الآدمية إلى أداة وحشية. لتظل دائماً مشروع فداء، من أجل مبادئ لا أثر لها خارج الأناشيد المدرسية. بحيث لن تجني سوى الخيبة، إلا إذا اعتبرنا نصب الجندي المجهول أو نحوه من الرموز، تكريماً منصفاً لمسيرة الجندي. في الثكنة سيتعين عليك الامتثال لقوانين هذه اللعبة المجحفة.
ومع مرور الوقت ستفقد الكثير من المكارم التي أنعم الله عليك بها. بداية من اسمك الذي اختزل إلى بضعة أرقام، من فئة السلالة النكرة، إلى إرادتك الشخصية، التي ما من أثر لها. مروراً بكل أمنياتك الصغيرة، وأحلامك التي ربيتها دونما أي احتراز بأنها ستكون أول خسائرك في مجتمع الثكنة. لذا، ولكي أستعيد أحرف اسمي، وأعيد كتابة نفسي من جديد؛ تطلب منّي الأمر اقتناء كتاب، وإنشاء قصيدة، والإصغاء لكثير من الموسيقى. حتى في صحراء تشاد حملتُ معي ما خف وزنه، وثقلت دلالته: أشعار الماغوط، رواية دكتور زيفاكو، كاسيتات فيروز، وفرقة بنك فلويد. فقط، هذا ما حدث.
قصيدة النثر والغنائية العربية.. بأي معادلة تحافظ على حرية الشكل دون خسارة الجرس العربي وما معيارك العملي لتمييز التجريب الخلّاق من الشكلي؟
أهم نسق في الشعر العربي التقليدي (كما هو معلوم) يُستمدّ من صلابة وتماسك بنيته الإيقاعية، بفضل التفعيلة التي صمدت حتى صعود تيار الشعر الحر. (العقد الخامس من القرن العشرين). لكن، ما دمنا لا نعيش وحدنا في هذا العالم، كان لا مفر أمامنا عقب حقبة الاستقلال السياسي، من الاستجابة والتأثر بتيارات الأدب في الغرب، لأن ضفاف التبعية في العالم الجديد لا تقف عند حدود ثقافة الشركة، والسوق التي تتبع الشركة، ومن ثم سوف لن يقتصر نشاطنا على استهلاك الكولا والبرجر، وطائرات الميراج وسراويل الجينز؛ فعلى منجزنا الإبداعي فناً وأدباً، أن يتغير لكي تنسجم بنيته الإيقاعية مع العصر الذي نعيشه، طالما من الصعوبة بمكان جلب خيامنا وجمالنا إلى مدن الرخام.
وبذا كان من الحتمي أن ينسحب الشأن نفسه على بحور الخليل بعد تلك النقلة الفرانكفونية التي انطلقت من بيروت كصدى لمقولات الفرنسية: سوزان برنار. عبر كتابها: «قصيدة النثر من بودلير الى يومنا هذا». حيث لا مفر من تغيير الشكل بوصفه معنى وقيمة وأيديولوجياـ لا مجرد صرعة أو زينة. وإزاء هذه القفزة المهولة: من عكاظ إلى الشانزليزيه، لن نتخلى عن العروض وحسب؛ بل عن أصناف طعامنا وثيابنا ومركوبنا، وطراز بيوتنا، وأنماط سلوكنا أيضاً. فالقيم المادية والروحية لم تعد هي نفسها حسبا لمقتضيات التمهيد للعولمة، ونظام السيولة كمعايير قارة لعصر ما بعد الحداثة.
وحتى لو (ركبنا رؤوسنا)، فما من مجال سيتيح لنا صعود الجبل فيما العالم بقضه وقضيضه آخذاً في الانحدار الأخلاقي.
ولا سيما أن ثمة سيدة أخرى اسمها: سوزان سونتاغ، ستطلق في مطلع عشرية الستينيات من القرن العشرين، كتابها: «ضد التأويل». كمرادف نظري لحقبة ما بعد الحداثة. وهكذا من سوزان الفرنسية إلى سوزان الأميركية؛ لا مفر من الانحياز لقصيدة نثر عربية حتى داخل مناخ عدائي ما زال يصفها بالخنثى. لأنها أي (قصيدة النثر العربية) قد وُلدت كتجربة متناغمة مع لحظتها، لانحرافها جمالياً باتجاه نظام المفارقة والتضاد، تفتح مجالاً للتشظي الذي يعد من أولى تقنياتها. أي الخروج باستمرار عن ثوابت التنميط المتوارثة مع الحفاظ في الآن نفسه على وحدتها العضوية.
- للاطلاع على العدد «511» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وقد فرضت وجودها (حسب فهمي) بوصفها نوعاً لا فرعاً. وتبعاً لمرجعية سياقها التاريخي وأسئلتها، ستحتفظ لنفسها بخصوصية سجال الهوية، خلافاً لغيرها من الفنون الوافدة، كالمسرح والسينما والتشكيل، كونها عبّرت عن قلق وجودي لاذت خلاله نظرياً بالشعر العربي الإشراقي، ممثلا في ابن عربي والنفّري. وإنْ ما تزال حتى هذه الساعة محل إشكال هويّاتي. ولعل من بين الأسباب التي أفرغت قصيدة النثر من الموسيقى الظاهرة انشغالها بالصورة، عوض الصوت.
هذه التقنية المنسجمة تماماً مع عصر الثقافة البصرية، أسهمت دون شك في نأيها عن الشفاه.
لكنني على المستوى الشخصي تنظيراً وكتابة أعمل على المواءمة بين العين والأذن، كعملية نسيجية تكاملية تنصف الصوت والصورة في آن. لكن وعلى الرغم من مضي قرابة سبعة عقود على صعود قصيدة النثر العربية، إلا أن تعريفها ما زال ينطوي على عديد المفارقات، والأغاليط، والخلط في مسألة الهوية؛ ولا سيما توصيف ما لها من خصائص فنية وجمالية ذات محددات وملامح يمكن الاتفاق بشأنها. ذلك لأنها تُعد من بين طفرات الصناعة الأدبية الناجمة عن تحلل الحداثة، وصولاً إلى ما بعدها. وما رفق ذلك من مظاهر السيولة، وتهشيم جملة من الثوابت ذات المعايير الصلبة.
وهذا دونما ريب يشهر تهديداً مباشراً ضد الشعرية، وبصورة خاصة (قصيدة النثر) ولا سيما عقب هيمنة منظومة السوشيال ميديا، التي تمهد لتكريس ثقافة شعبوية من صنف الدستوبيا، كحقبة مضادة للجمال، لا تحتمل وجود شراكات بريئة. وهذا يجعلني كشاعر كثير الريبة، لكأنه لا مكان للشعر في مستقبل الإنسانية الآيلة للفساد.
تعليقات