نظم مجمع اللغة العربية، أمس الخميس، ندوة علمية حول «التلوث اللغوي والبصري.. جذوره وتداعياته واستراتيجيات معالجته»، بقاعة الشيخ عبداللطيف الشويرف بذات العماد، وبرعاية ديوان مجلس الوزراء.
في البداية تحدث رئيس المجمع د.عبدالحميد الهرامة قائلاً: «إننا رأينا في بدايات الثورة من يوزع ملابس وسيارات للشرطة كتب عليها عبارة (البوليس) باللغة العربية والإنجليزية، فهل كان ذلك عملاً عفوياً أم مخططاً له، ونتذكر من كان مستعجلا في تلك الأيام على تسمية الإذاعة المسموعة بـ(الراديو) والمرئية بـ(التلفزيون) ربما اعتقادًا منه أن النظام السابق كان وراء التعريب في بلادنا» موضحًا أن ذلك الاعتقاد كان مغالطة قاسية، خصوصا من شعب يرى في القرآن لسانًا لتراث أمته العظيمة.
وأضاف الهرامة: أن تلك التصرفات المشبوهة بالطلاء الأبيض والأزرق الذي بيع بثمن بخس في بعض المدن المغاربية وإدخاله في بناء المدن التاريخية حيث أقنعوا القائمين عليها أنه اللون المناسب، وهذا يتصل بالمساهمات المغرضة التي تدخل عن طريق المنظمات الدولية تحارب الشخصية الوطنية والخصوصية الثقافية، والأمر المؤسف هو انتشار اللافتات التي تحمل أسماء محالنا ومقاهينا وشركاتنا، تكتب باللغات الأجنبية، وهذا لا يحدث في أي بلد يعتز بقيمه وتراثه.
- ختام فعاليات المؤتمر الدولي العاشر للغة العربية بالإمارات بمشاركة ليبية
- مجمع اللغة العربية يكرم أبوشويرب ويمنحه درع الضاد (صور)
- بمخطوطة وبيت شعر.. «يونسكو» تحتفي بالذكرى الـ50 لإعلان العربية لغة رسمية لها
ومن جانبه أوضح عبدالفتاح الفاضلي الممثل لديوان رئاسة الوزراء أن هذا الموضوع يحتاج إلى سلسلة من الندوات وورش العمل والمؤتمرات العلمية مؤكدًا أن التلوث اللغوي والبصري يكون تأثيره أعمق وأوسع مما لو كان على نطاق فردي.
التأثيرات الاجتماعية والقوانين
ولفهم أبعاد التلوث اللغوي البصري كانت الجلسة العلمية الأولى التي أدارها د.عبدالله الزيات حيث شارك الدكتور محمود الصغير بورقة عن أسبابه، وتناول الدكتور محمود ملودة تأثيراته الاجتماعية والثقافية فيما عرض الباحث عبدالحميد مروان استراتيجيات وحلول للحد منه، وعدّد الدكتور قوانين حماية اللغة العربية وأثرها للحد من التلوث اللغوي.
وقدم د.محمود ملودة في ورقته مفهوم التلوث البصري كما جاء في الموسوعة العلمية، من حيث هو مصطلح يطلق على العناصر البصرية غير الجذابة سواء كانت المناظر الطبيعية أو الصناعية التي لا يريد الشخص أن ينظر إليها وتعوق قدرة المرء على التمتع بالمنظر العام والبيئة المحيطة.
ويسوق ملودة نماذج للتلوث في جداريات وضعتها السلطة التنفيذية تنبه إلى الازالة فورًا أو الهدم من أجل التطوير، إضافة إلى وجوده في الشعارات السياسية طوال سنوات عديدة حيث مفردات «خونة، عملاء، كلاب ضالة»، كذلك بعد الثورة «لا للعائدون، ملك مقدس»، كذلك نجده في جمل كتبها مواطنون غاضبون: «ممنوع وضع القمامة هنا، مدخل منزل، موقف خاص».
وتطرق ملودة إلى القضايا الاجتماعية والثقافية المتعلقة بالإعلان مشيرًا أن الوظيفة الرئيسية للإعلان وهي تقديم عدد كبير من السلع الاستهلاكية للجمهور وبالتالي دعم السوق الحر، ولكن من الواضح أن ذلك ليس هو الدور الوحيد للإعلان، فقد تدخل الاعلان على مر السنين وبشكل متزايد في تشكيل القيم الاجتماعية والمواقف كما غدا أقل اهتمامًا بإيصال المعلومات الأساسية عن السلع والخدمات.
الرغبة في جذب الانتباه
وقدم الدكتور محمود فتح الله الصغير ورقة حول مفهوم التلوث اللغوي والبصري موضحًا أن هذه ظاهرة تتمثل في إدخال مشاهد نصية أو بصرية في الأماكن العامة تحتوي على أخطاء لغوية أو إملائية أو نحوية تشوه المشهد البصري، وهذا النوع من التلوث لا يقتصر على الكلمات بل يشمل الإشارات واللافتات والإعلانات مما يسبب تشوها في الذوق الجمالي العام.
وعدّد الصغير أسباب وعوامل التلوث في غياب الوعي البصري والرغبة في جذب الانتباه والاعتماد على الترجمات الآلية مما أدى إلى ظهور نصوص غامضة أو ركيكة.
وخُصصت الجلسة الثانية للمداخلات، التي جاءت من احميدة بن سليمان ممثلاً عن جهاز الأمن الداخلي، وعمر سعيد مدير مكتب الدراسات والتخطيط بجهاز الحرس البلدي، ومحمد عبدالله ممثلا عن وزارة الاقتصاد، حيث تضمنت ملاحظاتهم اللوائح والقوانين الخاصة بالفضاء العام وتحديدا اللافتات والإعلانات، كذلك العراقيل التي تعترض سبل مواجهة التلوث البصري وكيفية تذليلها.
دور الجهات الرقابية
وخلصت الندوة إلى جملة من التوصيات منها تفعيل القانون 24 الملزِم بفرض استخدام اللغة العربية الفصحى في اللافتات والإعلانات التجارية، وتفعيل دور الجهات الرقابية في تنفيذ القوانين واللوائح المنظمة للإعلانات واللوحات الإرشادية. كذلك إشراك البلديات في مراقبة الالتزام باستخدام اللغة العربية الفصحى في الإعلان عن المناشط التجارية وإعداد تقارير دورية بالمخالفات. أيضا الاهتمام بالتوعية المجتمعية بخصوص الحفاظ على اللغة العربية الفصحى.
واختُتمت الندوة بمنح شهادات تقدير للمشاركين في الندوة تقديرًا لجهودهم في مجال اللغة والفكر ودعم معنوي للمؤسسات المسؤولة عن اقتصاد المواطن ومعيشته وأمنه.
تعليقات