ربما كانت فكرة الجوائز، والاعتقاد هُنا أكيد، أنها نبعت من إرادة ثقافية مُخلصة قصدت دعم الحركة الأدبية والفكرية، والتشجيع على الكتابة والنشر والمعرفة، في زمن توتّرات إقليمية شهد كساداً ثقافياً ملحوظاً غابت فيه المنابر الأدبية والصحافة الثقافية، وتراجعت فيه مبيعات الكُتب لدرجة غير مسبوقة..
وفي خلالها انتشرت الجوائز الأدبية سريعاً كظاهرة «تجارية» تنافسية كما ظاهرة انتشار معارض الكِتاب بهذه الغزارة، غير أن الأمر تجاوز الحياة الثقافية بتقاليدها إلى الاتجار بأوراقها، دون مأسسة واعية بمخاطر تبعاتها وعواقب النتائج التي جعلت من الكِتاب وسيلة للارتزاق فساق معه الكاتب ودار النشر، وحتى القارئ، في علاقة بدت سيئة انعدمت فيها الثقة ووسّعت شقة الخلاف على أرضية الاختلاف.. فالمجرى، الذي نعرف، لم يعُد صالحاً لينابيع المعرفة الجادّة، والتهافت على المسلّمات السطحية أفقد الذائقة الجمالية وأعاق القدرة على النقد العميق وسط ظواهر عبثية غزت الحياة الثقافية ورهنت زمن الفعل إلى ركود. ولعل مفاعيل كثيرة كانت وراء هذا العبث الثقافي المتنامي مع درجات التخلُّف المجتمعي، ومن بينها الفساد المالي في بعض الدول النفطية بمؤسساتها الوهمية، إلى الشللية وانعدام الشفافية، والانحياز المقصود بقصد التلميع والربحية.
في هذا الجانب يشاطرنا الرأي الكاتب السوري «فوّاز حداد» الذي اعتبر «الشللية» من المعيبات الأخرى في الجوائز الأدبية، بتأثيرها المباشر على النزاهة والشفافية في أحكام لجان تحكيمها، الأمر الذي يُعتبر من الأخطار المهدّدة لحركة الإنتاج الأدبي والنقدي. ويؤكد «حدّاد» أن هناك اتجاه لا يفتأ يتزايد يدعو إلى تشديد الانتقادات على الجوائز الأدبية، خاصةً الرواية، ربما لأنها تُحدث مع كل إعلان عن النتائج الكثير من الضجيج. لا نقول إن أصحاب هذا الاتجاه جماعة متماسكة، وإلا شكّلوا حملة، وأفلحت دعواهم، في إجراء متغيِّرات تضمن عدالة معقولة، حسبما يزعمون. بيد أن ما لُوِّح به ليس أكثر من شكاوى غاضبة أو حانقة، مع نزر من الاتهام واللوم لا غنى عنهما.
اللافت أن للجوائز سطوة لا ترحم من كثرة ما تثير من تساؤلات وتوجس، فالدعاية التي ترافقها، والمال الذي يتراءى من خلالها، الكاتب بحاجة إليه، عدا والأهم، الجائزة أقرب طريق للشهرة، لذا وجب الصمت. بعض الاعتراضات على الجوائز لا تعدم الحقيقة، خاصة أن الوسط الثقافي لا يفتقر إلى مشاغبين من النوع الذي يرفع الصوت، والملاحَظ أن وجهة نظرهم يُعتد بها، ولا يتورّعون عن الجهر بها، ما دام أنهم ينتقدون حكومات باطشة وأنظمة قمعية، فلماذا لا يجوز لهم انتقاد جهات ثقافية تخطئ وتصيب، وقد تخطئ أكثر من أن تصيب، لذلك وجب النقد.
حول الشبهات التي تعتري مواسمها، يقول «فوّاز حدّاد»: «لن نتطرق إلى ما يجري في كواليس الجوائز، لأن ما يُشاع لا علاقة له بالأدب، وإنما بالنفوذ الثقافي والشللية والعلاقات الشخصية. لذلك نرميه جانباً، لعدم قدرتنا على فرز الحقائق عن الشائعات المغرضة، فالموضوع ليس المال فقط، وإنما الشهرة أيضاً. وللأسف من دورة إلى دورة تتضاءل سمعة مردودها، فهي لا تصمد أكثر من شهر أو شهرين، ومن الجيِّد أن قيمة الجائزة لا تتضاءل. وبالنظر إلى الجهة المانحة، أُوكلت للمحكّمين الحرية المطلقة، مع مراعاة الشروط والإجراءات التي تقيّدت بها جميع اللجان بالتداعي، وأصبحت قانوناً مرعياً، على سبيل المثال لا الحصر، الأخذ بالاعتبار التوزيع الجغرافي أكثر من القيمة الأدبية، أي أن المنفعة يجب أن تعم الدول العربية، لهذا الأولوية للبلد المختار للجائزة، فلم تشكِّل مأزقاً بالنسبة للمحكمين، فحسب رأيهم، أن الروايات عموماً متشابهة ولا مشكلة في التمييز بينها. عدا أنه لا معايير ولا قواعد واضحة، لذلك مالت بعض الجوائز مرّةً لمصر بحكم ثقلها، وأُخرى للمغرب بحكم بعده، وثالثة للبنان بحكم تاريخه، كذلك ليبيا بحكم إغفالها، وعُمان لتسليط الضوء عليها… دائماً هناك سبب ما لمنحها لبلد دون آخر، وهو أمر لم يفهمه الروائيون، فالمفاضلة ليست في مجال الرواية، بل في الأفضليات بين الدول، التي قد تمثّلها دُور النشر، أو مسؤولو الدوائر الثقافية، أو مراكز القوى، مع عدم إغفال سبب إضافي لا يمكن تجاوزه، فللفساد نصيب كبير، لن نأتي عليه. وكان للقوائم الطويلة الفضل في إخفاء هذه العيوب، حيث تضمُّ من مختلف البلدان، مع التقيُّد بتحذير اعتُبر أمراً مفروغاً منه، بعدم منح الجوائز للروايات التي يُشتبه بإبدائها آراء سياسية، أكثر ما يتجلّى بموضوع الثورات، تحت زعم أن السياسة عدوّة الفن».
- - اقرأ الحلقات السابقة من سلسلة «أدب الجوائز»
وعن الطابع السياسي الذي يفترضه أكثر من رأي تجاه بعض الجوائز يقول فوّاز حدّاد: لئلا نلوم الجهات المانحة، لا ننسى أن الخليج بالنسبة للسياسة أكد على مبدأ عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية لأي بلد، فهي شأن سيادي، والجائزة لا علاقة لها بنظام الحكم ولا بالعدالة ولا بالظلم، عدا فلسطين ما زال لها حصّة، وإن إلى تراجُع حثيث، مع أنها أصبحت مأساة مستقرة والكثيرون يتعيشون منها، لذلك يجرى العمل على تقليصها بعد التطبيع مع «الدولة» التي كانت عدوة وأصبحت صديقة. عموماً، يبدو أن أكثر ما يناله المنع هو الحدث السوري، فكان الحرص على وضع روايات السوريين بالذات تحت الرقابة، لئلا تمس شأناً سيادياً متعارفاً عليه دولياً وأممياً. ولا بأس أيضاً في التعرّض لما تثيره خيارات لجان التحكيم العشوائية، التي يبدو أنهم مضطرون إليها، بسبب ظهور طائفة كبرى من القراء ما انفكت تتوسّع، تحيلنا إلى أن الرواية في ازدهار، لكنه ازدهار معطوب، عندما نلاحظ أن أغلبهم لا يشترون إلّا الروايات الفائزة على أنها الوحيدة التي تستحق القراءة، ما يحرم عدداً هائلاً من الروايات من القراءة. لكن هل هي الوحيدة؟ ماذا لو كانت الروايات المختارة لا تستحق فعلاً ما يُروَّج لها؟ ألن تكون المثال النموذجي الصالح للاقتداء به، أو للتعلم منه؟!
وُلدت الجوائز قوية، رغم المناورات التي اكتنفتها منذ بداياتها، واستطاعت احتلال مكانة مرموقة. وللأسف كل ما يمكن أن يكون جميلاً في بلادنا يبدأ تشويهه منذ اللحظة الأُولى. ولقد قُدّر لها حتى بهذه العقلية أن تكبر وتكبر، وكان إعلامياً بحتاً، ما رسّخ ازدهارها على قيود الدعاية، وفقدان الثقة بها مع الوقت، ما يؤهّلها للظفر بنهاية تراجيدية. ومن هُنا تداخلت الآراء بين منتقدٍ ومؤيد لعطايا الجوائز على اختلاف أشكالها، فيما يتغاضى البعض عن مظاهر فسادها الذي بات واضحاً للمتابعين بفوز أعمالٍ لا تستحق الفوز وحرمان أعمالٍ أخرى جديرة بالفوز، وبرصدنا لبعض الجوائز تبيّن أنها مُنحت لأعمال أولى سطحية لا قيمة فنية لها، صدرت لكُتّاب جُدد عن دور نشر صغيرة ومغمورة تأسّست في ظروف غامضة لغايات غير بريئة برزت بفوز ما نشرته من أعمالٍ سطحية عديمة القيمة سوى من وجهتها المسيئة للأديان والمجتمعات!
إحياء «الاستشراق» بعوامل داخلية
ودعماً لما يمكن أن نسمّيه بمشروع إحياء «الاستشراق» بعوامل داخلية، تم الترويج لهذه الأعمال المشبوهة وترجمتها والدخول بها في مسابقات أخرى غربية لنيل جوائز مماثلة تقديراً لمضامينها المسيئة للمجتمعات العربية، وهُنا يبدو الهدف واضحاً من خلال الدعم المالي اللامحدود لهذه الجوائز الموجّهة ضد الدين والثقافة والهُوية، وهو الهدف الأصيل الذي لم يتحقّق كفايةً على يديّ المستشرقين، وها هو يتحقّق اليوم، بهذه الوسيلة الدنيئة، على يديّ أبناء المجتمعات العربية في سابقة ثقافية خطيرة يصعب ردعها رغم كشف سياستها وتعرية غايتها كمخطط غربي يستهدف تشويه صورة العرب والنيل من تاريخهم وثقافتهم.. والدلائل على ذلك كثيرة وواضحة لمن يعنيهم الأمر ويمكنهم متابعة ورصد سلسلة الجوائز الأخيرة الممنوحة بالمال الفاسد في بعض دول الخليج ونظيراتها في العواصم الغربية، وعلينا دائماً أن نسأل عن المستفيد من وراء هذه الجوائز ذات العلامات الشهيرة التي راجت خلف شعارات زائفة لدعم الثقافة والأدب، لنكتشف بعدها أن كل هذه الشعارات تسقط بفوز عملٍ إنشائي تقريري ركيك بقلم مُخبر «روائي» رديء وكاذب وحاقد على مجتمعه.. من جهة أخرى أرى أن تراجع الحركة النقدية العربية والمتابعة الإعلامية والثقافية كانت من أهم أسباب انفلات هذه الجوائز عن الضوابط النقدية والفنية للتحكيم الجادّ، وتقويم عطاء لجانها للتحكُّم في قراراتها بالحيادية والشفافية بعيداً عن المحاباة والمجاملة، وأيضاً بما يقطع الشك بشبهات الترويج للأعمال المدسوسة في خدمة أجندة دوائر مشبوهة وجدت ضالتها في مضامين الرواية «الاجتماعية» لدى تجربة جيل «مشوّش» من الأدباء الجُدد الطامعين في المال والشهرة، وهُم غير مدركين لخطورة مؤلفاتهم على أمن بلدانهم وثقافات مجتمعاتهم.
سالم الهنداوي
تعليقات