Atwasat

أدب الجوائز! (16)

القاهرة - بوابة الوسط الخميس 07 نوفمبر 2024, 04:33 مساء

 على أنغام الموسيقى الحالمة ترفع مؤسسات الجوائز الأدبية شعاراتها التجارية على منصّاتها الموسمية في العديد من البلدان العربية، خاصة الخليجية.. ولكنّها في الوهم، لم تحقّق من شعارات «الثقافة» سوى الإعلان عن موعد الحفل الذي يبدأ بتصفيق الصفوف الأمامية، وينتهى كما تنتهي أعراس الحي الإقليمي بنفاق الصفوف الخلفية كما النفاق السياسي، دبكة وزمامير وعريس سعيد خجول تائه تحت الأضواء يمهر عقد زواجه بالجائزة، يأخذها من طيعها ويذهب بها بعيداً عن أسئلة الصحافة.. ولن يكون هذا العريس الضحيّة في تلك المناسبة آخر ضحايا هذه الأعراس الوهميّة، ولا حفل زفاف الحي هو الأخير، إنها الفرحة المزيّفة الأكثر سخرية في الواقع الثقافي العربي التي يمحوها الصباح بالكشف عن وجه العروس المعتاد.. العروس الذهبية «الصمّاء» ابنة أمير الخليج التي تتزوّج في كل عامٍ بفتى عربي جديد من مغاوير الكتابة ونجومها المزيّفين!

BCD Ad BCD Ad

 أمام هذا المشهد الثقافي الهزلي، بإفلاسه القيمي الأخلاقي، وتأثيره السلبي على الحياة الثقافية وتكرار العبث بافتعال مناسباتٍ للخواء الفكري في شكل أعراس موسمية لا معايير جادّة لها ولا قيمة لأثر، أصبحت هذه «الجوائز» من تندّرات مجالس الأدباء الذين يستمتعون بالفُرجة عليها من بعيد دون الاقتراب من مساخرها.. وفي كُل عام تزداد فيه تفاهاتها تزداد الانتقادات حولها في غير موضع وهي تنتشر كما أي ظاهرة سلبية دخيلة على مجتمعات النخبة العربية، مّا جعل الآراء الثقافية في كياناتها الاستعراضية تأخذ طابع الندّية ضد الأشخاص «المفلسين» القائمين عليها.. فعن مكانتها المزعومة في المشهد الثقافي العربي يقول الروائي المصري محمد عبدالرحيم: «أنا لا أرى أي أهميّة لهذه الجوائز التي لا تقدِّم شيئاً في مجال إثراء الحياة الثقافية، ولا تقوم بالتشجيع على القراءة، ولا تؤدي إلى ترويج هذا المبدع أو ذاك من خلال اجتذاب أعداد جديدة من القُرّاء».

 اقرأ الحلقات السابقة من سلسلة «أدب الجوائز»

 وحول أشكال هذه الجوائز المجانية ومدى استقلالية الكاتب وهذه العلاقة المُلتبسة دوماً، يقول الشاعر المصري مُهاب نصر؛ أتصورَّ أن السؤال نفسه يحمل نوعاً من التوجُّس، التوجُّس من كون «الجائزة» أي جائزة تتعارض بقدر ما مع فكرة لدينا عن استقلالية الكاتب ونزاهته، وهذه الفكرة، وإن ظلت راسخة لعقود، لم تعُد بالقوُّة نفسها، ومع ذلك فقد تركت فراغاً في معنى «النزاهة» والاستقلالية.. ماذا نقصد بهما؟ وهل هما مطلوبان أصلاً؟.. ويضيف «مُهاب»: أتذكّر حواراً مع كاتب صديق كان يرى أن الأدب مهنة مثل كل مهنة، وأن «نزاهة» المهنة هو أن تؤدّى بشكل جيّد، هكذا ليس مطلوباً مني إلّا أن أكتب رواية جيِّدة أو قصيدة مميَّزة، ومن الطبيعي أن أحصل من ذلك ككل صاحب مهنة على أجر. لكن المسألة ليست بهذه البساطة، فمن يدفع الأجر ليس مجتمعًا من القُرّاء عادة، بل جهاز دولة أو مجموعة من الأثرياء قافزين فوق فكرة المجتمع أصلاً. ومن ثم، من الذي يحكم بأن عملاً ما جيِّداً أو رديئاً، ومن ثم يستحق صفة النزاهة كما يقول صديقي؟.. إنهم غالباً نخبة مغلقة على نفسها تتداول الأفكار والمعايير المُجرّدة بمعزل عن أي قدرة تمثيلية لها في الواقع، لاحظ أن كلمة «تمثيل» وثيقة الصلة بالأدب، يمكن استخدامها نفسها فيما يتعلّق بالحُكُم بمعناه السياسي، هذا التمثيل غير موجود. حين تمنح الجائزة من قبل لجنة تحكيم ما يبدأ التشكيك فوراً، وهو تشكيك في محلِّه، وإن كان لأسباب أخرى غير المتداولة: إنه تشكيك بسبب غياب المعايير، تلك المعايير التي كان ينبغي أن تتراكم بكل دلالاتها الفنيّة والتاريخية في سياق ممتد لتطوُّر النوع الأدبي. هكذا تجد في مسوغات الجوائز كلاماً عجيباً قد لا يعجبك، لأنه في النهاية تعبير عن ذائقة نظرية مجرّدة، يختار ناقد رواية مثلاً لأنها تتحدّث عن الأقليات، أو تتعرّض لقهر السلطة للمواطنين، أو تكشف المستور، أو أنها ما بعد حداثية.. مع أن هذه الأحكام لا علاقة لها بمساهمة هذه الرواية في تطوُّر النوع بما يفتح سؤاله مجدداً على مجتمع أوسع وأرحب.

المشكلة في المضمون
 في وجهة أخرى من علاقة الجمهور بالأدب ووضع الجوائز حائلاً بينهما، يقول الشاعر المصري «مُهاب نصر» إن المشكلة ليست في الجوائز، وإنما في كونها استسلاماً لفشل في أن يكون للأدب جمهور، وهذه هي الجائزة الحقيقية، أن يكون مؤثراً ومغيِّراً لما استقر في وعي الناس من مفاهيم جمالية. الجائزة تضع معنى الجمال بين قوسين كتقنية أو مضمون يمكن أن تكرِّره لتنال جائزة أخرى، حالة من التسليع والإنتاج لحساب الغير تنهي فكرة الأدب أصلاً.. ويضيف مُهاب: الأدب مساحة رجراجة ومراقبة لمساحات أخرى لنشاط الإنسان، إنه دائماً أبعد بخطوة أو متأخر بخطوة لينفتح على ممارسات الناس ويعينها على فهم نفسها. تحجيم الأدب داخل «وصفات» الجوائز ينتهي به إلى كونه مهنة، كما قال صديقي، ولكن غير ذات قيمة إن لم أقل غير شريفة، لأنها تزيِّف المعنى الأصلي للأدب كتمثيل وفضح للتمثيل. ليست المشكلة مجدداً في الجوائز، ولكنها في مضمون فعل ممارسة الأدب ذاته في مجتمع لا يفهم حتى معنى التمثيل ومقصده.

 عن الفساد الثقافي يستكمل الروائي والمترجم المصري «أشرف الصبّاغ» الحديث، فيرى أن الكارثة الكُبرى عندما يبدأ الكاتب حياته بأن تُترجم أول أعماله، ثم تتجاهله الجوائز، لتبدأ المعارك الكبرى على اعتبار أنه حصل على صك الشهرة والاعتراف العالمي، بينما الجوائز تمنح لمن لم تُتَرْجَم أعمالهم. وغالبية المعارك لا تدور حول قيمة العمل الأدبية والمعرفية، وإنما حول الجائزة نفسها كمحدِّد لقيمة الكاتب في السوق الثقافية-الأدبية. هكذا تتغيّر طبيعة ومعايير الجوائز التي نراها عظيمة على الورق وفي الإعلانات والوثائق الخاصة بها، لتتحوّل إلى شكلٍ من أشكال المحاصصة والثمن العيني للكاتب وليس الكتاب أو العمل الأدبي.. وقد ينطبق ذلك على الجوائز الشهيرة، والكبيرة في قيمتها المادية، أكثر ممّا ينطبق على الجوائز المتواضعة. هذا الكلام لا يعني إطلاقاً أن كل الجوائز تعاني من المرض. فالأمر من وجهة نظري يتعلق بطبيعة مجلس الجائزة ولجنة التحكيم، والمسافة من الشللية والمحاصصة والتوزيعات الإقليمية، وربما الطائفية، أو الظروف المحيطة بصحة هذا الكاتب أو سطوة ذاك الكاتب ونفوذه. ما يحيلنا مرة أخرى إلى نوع من أنواع الفساد الثقافي الأدبي وإهدار حتى قيمة الكاتب شاباً كان أو كهلاً، ذلك بعد أن تكون قيمة العمل الأدبي قد أهدرت أولاً.

 وعن الفساد الثقافي وكواليس الجوائز والنفاق وعلاقة دور النشر بالأوساط الثقافية، يسرد الكاتب والناشر السوري «وليد خليفة» انطباعاته في شهادته من واقع تجربته فيقول: «في الثلاثين الأولى من عمري التي قضيتها بين دمشق وبيروت والقاهرة وطرابلس الغرب والجزائر، كنتُ أنظر بريبة للأوساط الثقافية الرسمية ومحيطها المُتخم بنقائض الحياة والمتسلقين البائسين من كل القياسات والأحجام، متأبطين كتباً تحمل أسماءهم، هكذا دارت بي الدنيا وكنتُ شاهداً صامتاً على مهرجانات صدف أن مررت بقربها في تلك العواصم وحفلات توزيع جوائز كنتُ أمرُّ بجانبها بابتسامة سخرية على شفتي. كانت الهجرة الإرغامية تحملني من مدينة إلى مدينة، وطالما تعثّرت بهؤلاء المحظوظين بجوائز بائسة على أرصفة عواصم عربية كثيرة، كنتُ أسير بلا هدف، ولكن ضوضاء هؤلاء الفائزين ولجان الترشيح والتربيط كان يثير حالة غثيان لديّ، مصدرها الشفقة على النفاق الذي تعانيه المجتمعات العربية لحظها العاثر بوجود نخب من هذه القياسات وبكثرة في عواصمها، نخب لا تفرِّق بين تاجر سلاح وأعضاء بشرية ودماء، وبين مثقف له ما له وعليه ما عليه. كانت النخب العربية وما زالت تفضِّل تاجر السلاح والأعضاء البشرية والدماء على كل ما عداه من قائمة المغمورين باهتمامات أعضاء المحفل الثقافي العربي!».

مهرجانات غسيل أموال
من ناحية أخرى يضيف الكاتب والناشر السوري «وليد خليفة» كانت الجوائز والمهرجانات العربية في بداية القرن العشرين تشبه حال النخبة العربية، مهرجانات غسيل أموال تجار السلاح، وغسيل وجوه أنظمة بائسة خربة وتوسيع دائرة الفراغ، لم تخرج جائزة واحدة أو مهرجان واحد عن تلك الدائرة المخزية، وكنتُ شاهد عيان من قريب على تلك المكارثية التي ستتواصل. هجرت دنيا العرب مرغماً عام 2007 ليستقر بي الحال في باريس، حيث الثقافة العربية يتم تقديمها في صورتها، كما هي في دنيا العرب.. عبر مراكز وشخصيات متشابكة مع النخبة العربية ومحيطها المندغم في عالم السلطة والمال السياسي، معهد العالم العربي وبعض وجوه النخبة العربية المشرفة على تنظيم المهرجانات. مرة أخرى أقف على مسافة كافية للنظر ومتابعة بؤس ورثاثة هذا المشهد، جوائز تستند إلى جذع العلاقات العامة والوجبات السريعة والمشاركة في وليمة الخراب وتوسيع دائرة الخواء، حتى حضرت موجة ما سُمي بالربيع العربي، هنا كانت الفضيحة أكبر من أن تعتذر نخبة لا تعرف الاختلاف فكيف تعرف الاعتذار؟ نخبة تسير خلف أنصاف ساسة وأرباع تجار حروب وكأنها كومبارس فاقد لأي دور سوى معاودة العبارات المكلف بها، نخبة لا يمكن أن تنتمي لحلم دولة وإنما حُلم سلطات متخمة بالوباء. طبعاً لم تعتذر أفراد جوقة المهرجانات والجوائز على عملها تحت راية القذافي أو بشار الأسد أو غيره من رموز القتل والفساد، رغم أن جُل أفراد النُخبة قلبت ظهر المجن لماضيها، وكأنها ليست هي ذاتها التي كانت مسؤولة عن جوائز القذافي ومهرجاناته، كما كانت مع غيره، إنها اللجان نفسها التي مدحت هذا الغول الدموي وذاك تاجر السلاح التي تمنح جوائز على قدر معارفها وذائقتها في منح المغانم على المقربين وأقنية التواصل مع سُلطات وأوساط لم ولن تنظر للثقافة إلّا بمثابة ديكور مُهمَل في زاوية من زوايا أصحاب المال، ولم تسلم الجوائز العالمية المعرّبة من وباء لجان التحكيم التي تحمل وزر ثقافة تعاود إنتاج الخراب وتبتعد عن المعرفة كل يوم أكثر فأكثر!

 ومن الانطباعات إلى الآراء إلى الأحكام المبدئية والقاطعة، تبدو «الجوائز العربية» في قفص الاتهام، بعد أن شابها مُل هذا الفساد الثقافي والأخلاقي والاجتماعي، بل وأصبحت من نتائج الإهمال الثقافي المؤسسي ونتاجًا طبيعيًا لأعداء الثقافة الأصيلة، دُعاة السطحية والتسلية والمجون، الذين انقلبوا على التراث في محاولة رخيصة، جريئة ووقحة، لقتل الجدّية في العطاء الفكري، وتهميش الإبداع الحقيقي بالترويج لنشر التفاهات، مستفيدة من دفوع سلبيات «فيس بوك» الحافل بالهرطقات والسفاسف والاجتهادات السطحية لمن لا يملكون القدرة على التعبير والخلق والإبداع.. وكأنهم في تناغم مع لغة العصر ضد التراث ومع مظاهر الحداثة ضد الأصالة، وهو المبتغى الجوهري لحركة الاستلاب الذي تتعرّض له الثقافة العربية عبر دكاكين النشر الارتزاقية ومنصّات الجوائز العبثية بإدارة المال الفاسد والعقل الفاسد في الدوائر المشبوهة ومنابرها ذات الصلة بأنظمة التربية والتعليم والثقافة والإعلام في الوطن العربي.

سالم الهنداوي

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
الحكم بالسجن 30 شهرا على مخرج أميركي بتهمة الاحتيال على «نتفليكس» , كارل رينش
الحكم بالسجن 30 شهرا على مخرج أميركي بتهمة الاحتيال على «نتفليكس»...
اكتشاف مستوطنة متكاملة ومقابر من عصر «الهكسوس» في مدينة الإسماعيلية المصرية
اكتشاف مستوطنة متكاملة ومقابر من عصر «الهكسوس» في مدينة ...
النيابة العامة تعلن موعد الدورة الثالثة لمعرضها الدولي للكتاب 2026
النيابة العامة تعلن موعد الدورة الثالثة لمعرضها الدولي للكتاب ...
حل «فرقة أجيال للمسرح والفنون» يشعل جدلًا واسعًا في ليبيا.. فنانون ومؤسسات ثقافية يرفضون القرار
حل «فرقة أجيال للمسرح والفنون» يشعل جدلًا واسعًا في ليبيا.. ...
بحضور رسمي.. العرض الخاص للفيلم الوثائقي «شاشات منسية» يحتفي بتاريخ السينما الليبية بجامعة طرابلس
بحضور رسمي.. العرض الخاص للفيلم الوثائقي «شاشات منسية» يحتفي ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم