قلتُ ذات مناسبة إن أجمل الجوائز هي تلك التي تأتيك دون أن تدري ولا تذهب إليها وأنت تدري، بمعنى أن يكون عملك الأدبي قد اختُير من بين أعمال وأصبح قرار الفوز بيد لجنة نقدية من القديرين، حينها فقط تكون أنت الفائز بعملك عن جدارة، ودون ذلك فهي مجازفة محفوفة بمخاطر الخيبة.. ولذلك كان من غير الممكن أن أتقدّم لجائزة أدبية وأنا أعرف سلفاً، في ظِل الخِداع وانعدام الثقة، بأنها قد تذهب لغيري وعن عمل قد يكون دون مستوى عملي، فتكون خسارتي لنفسي حينها أكبر من خسارتي لجائزة، لو نلتها، كانت لن تضيف لي شيئاً من الأساس، وبخسارتها قد تأخذ مني كل شيء في غفلة يقين ولحظة رهان زائفة ومقامرة بعيدة عن ذائقة القارئ ووعي الناقد وتقدير النخبة!
في سياق آراء عددٍ من الروائيين العرب حول قيمة الجوائز الأدبية وأهميتها في ظل غياب حركة نقدية متفاعلة ومصاحبة لاحتفالاتها، يقول الروائي المصري «محمد عبدالرحيم» وهو يطرح أسئلة اللحظة: «رغم تعدُّد الجوائز التي تحتفي بالأدب والأدباء في العالم العربي، سواء المحلية منها أو الدولية، إلا أنه بمجرد الإعلان عن جائزة هنا أو هناك يثور اللغط حول الجائزة واستحقاقها من عدمه للكاتب أو عمله الأدبي». ويتساءل، هل تساعد هذه الجوائز على انتشار الأدب بين الجمهور، خاصة أن نسبة الأمية في المجتمعات العربية تكاد تكون متفشية، فهل غيّر الأدب من فكر هذه المجتمعات، كما حدث مع أوروبا مثلاً؟ وهل ستوسم هذه الجوائز بعلامة من علامات النزاهة، أم أن التشكيك المستمر في جدواها سيحولها إلى آفة أخرى من الآفات التي يتنفسها العرب؟.. ربما تباين الآراء النقدية يوضح الصورة أكثر ويكشفها، سواء أكانت هذه الآراء نابعة من تجربة شخصية للكاتب، أو من خلال رأي نقدي ونظري للأعمال الأدبية وطبيعة الجوائز الممنوحة لها.
في هذا المنحى المهم بين قيمة الجائزة وقيمة النص والمعايير النقدية والفنية في تقييم لجان التحكيم، يرى الكاتب السعودي «محمد العرادي» أنه قبل أي نقاش حول الجوائز الأدبية لا بد من استحضار السياقات السياسية والثقافية التي تحرك تلك الجوائز، العالمية منها والعربية، فالقيمة الفنية غالباً تكون الجزء المعلن من مجموعة مبررات غير معلنة لمنح الجائزة. إضافة إلى أثر اللجان المحكِّمة في كل دورة، فالجائزة في المعنى الأخير هي إعلان رأي مجموعة أشخاص لهم توجُّهات فنية قد لا تكون طليعية أو لا تفضِّل ذوقياً أعمالاً أعلى في قيمتها الفنية من العمل الفائز وفق تطلُّعات وتوجهات لجان التحكيم. ويستخلص العرادي أن «الجوائز غير محايدة على مستوى مضمون وشكل العمل الفني وليست دائماً دليلاً على جودة المُنجز الأدبي وإن كانت إشارة مهمّة في بعض الأحيان. وهذا لا يلغي أهمية الجوائز الأدبية وأثرها في إيجاد حراك أدبي لقيمتها المادية وتسويق الكثير من الأعمال الجيدة، لقدرة بعض المؤسسات المانحة على رفع مستوى التحكيم، ولكنها في المقابل قادرة أيضاً على الترويج لأنماط فنية رديئة». أما سعي الأدباء والكتاب لحيازة الجوائز فأمر يمكن تفسيره من ثلاثة أوجه بحسب العرادي: «من حيث قيمتها المادية؛ لأن نصيب الكاتب من مبيعات كتبه في الغالب أمر لا يستحق العناء وربما لا تغطي حتى تكاليف التحرير والتدقيق اللغوي، فالجوائز والتكريمات هي مسار الحصول على مردود مادي. ولأنها اعتراف بالكاتب وبمنجزه وتكريس له، تحقق له انتشاراً ومقروئية لم تكن لتتحقّق لولا الجائزة».
_ اقرأ الحلقات السابقة من سلسلة «أدب الجوائز»
في وجهة تقييمية أخرى لقيمتها الرمزية ترى الشاعرة والمترجمة المصرية «فاطمة ناعوت» أن الجوائز بشكل عام لها مردودها الطيب في نفوس المبدعين والفنانين على اختلاف دروب إبداعهم. فالجوائز الرفيعة، مثل أوسكار في السينما، أو بريتزكر في العمارة، أو نوبل في الآداب وغيرها من الجوائز ذائعة الصيت، من شأنها أن تُشير بإصبع مضيء إلى مبدع كبير في مجاله، قد يسلِّط الضوء على المطمور من إنتاجه الذي قد يكون قد غاب عن شرائح من المتابعين، فضلا عن المردود الأدبي والمادي اللذين لا شك في أهميتهما كذلك.. لكن في مجال الأدب تحديداً يظل «الجمهور الطبيعي»، بحسب فاطمة ناعوت، هو الجائزة الأهم لدى المبدع دائماً، فالجوائز ولجان التحكيم وقوائم التصفيات عملية معقدة لها أبعاد وحسابات كثيرة، من بينها القيمة الفنية دون شك، لكنها لا تخلو كذلك من اعتبارات أخرى، من أخطرها أنها تضع القطعة الفنية على طاولات التشريح تحت مباضع النقد التي قد تفتك بجسد النص. والعمل الأدبي بشكل عام، خصوصاً الشعر، كائن رهيف لا يحتمل مباضع النقد الحادة، بل يميل إلى هدوء غرفة وخفوت شمعة ووحدة قارئ ينفرد بكتاب مثلما ينفرد مغرم بمحبوبته بعيداً عن عيون الدخلاء. لهذا ربما يعزف الشعراء عن التقدُّم للجوائز، لأنهم يرون أن القصيدة حال من الحلول الصوفي في جسد الوجود، تلك الحال الفردانية التي تنزعج من الضوضاء وتفرُّ من الصخب واللجان والأضواء.
الاكتفاء بالناقد الأكاديمي مظلمة للتقييم
وعن لجان التحكيم وأحكامها، يبدو أن الاكتفاء بالناقد الأكاديمي دون سواه فيه مظلمة للتقييم الفنّي الأمثل ما لم تكن اللجان من نقاد مبدعين في الأساس، وفي هذا الشأن تعلق فاطمة ناعوت: «على الرغم من أنني عضو في لجان تحكيم العديد من الجوائز الأدبية، لكنني دائماً أتعامل مع النصوص المقدمة برهبة الداخل إلى محراب صلاة، وأضع درجات التقييم بحذر، بحيث أبدأ بتقييم المسلمات: مثل سلامة اللغة التي لا يُعدُّ النصُّ نصّاً دونها، والمباشرة التي تنأي بالنصّ عن الأدب، والطزاجة التي دونها يُعدُّ النصُّ منحولاً عن آخر، وغيرها من بديهيات الكتابة، وبعد ذلك أقتربُ بحذر من جسد النصّ من الوجهة الفنية، ولأفعل هذا لا بد أن أغمض عينيَّ لكي أحسب كم خفقة خفقها قلبي مع قراءته، وكم وخزة ضربني بها النصُّ في منعطفاته. وربما لكل هذا الوجل، لم أتقدّم كشاعرة مطلقاً في مسابقة أدبية، مع كامل احترامي لكل شاعر يتقدّم لجائزة. لكنها الجسارةُ التي لا أمتلكها، والمجدُ الذي لم يُغرني».
في غير هذا الجانب الفني من التقييم بمعايير النقاد القديرين، يذهب البعض إلى الشكوك في طبيعة المؤسسات المانحة ولجان تحكيمها مما جعل من الكثير من الأدباء يخشون ملامسة الجوائز التي أصبحت فوبيا لدى الكثيرين. وبالحديث عن نظرية المؤامرة التي يتنفّسها العرب يقول الروائي السوري «عدنان فرزات»: «لدينا نحن العرب ما يمكن أن أسميه فوبيا الجوائز، أو بتعبير آخر لدينا نظرية المؤامرة نطبقها حتى على الجوائز، وقبل أن أتحدث عن الجوائز العربية، أتطرق إلى نظرية المؤامرة التي يتعامل بها الأدباء العرب مع جوائز عالمية مثل جائزة نوبل، التي ألصقوا فيها كل التهم، علماً بأن معظم الذين حصلوا عليها غير مسيّسين، نجيب محفوظ مثلاً. أما الجوائز التي تقدمها مؤسسات عربية، فأنا مطلع عن كثب على معظمها، وشاركت في تحكيم بعضها وكانت في منتهى الموضوعية، وحتى جائزة البوكر، اطلعت على التحكيم فيها ذات عام وفاز فيها الكاتب الكويتي «سعود السنعوسي» عن روايته «ساق البامبو»، بحكم أن شقيقي علي فرزات كان أحد المحكمين وأعرف تماماً أن الجائزة مُنحت بموضوعية وبنقاشات، والكاتب السنعوسي كاتب شاب ولا علاقة له بالسياسة ولا بأي تيار. كذلك سبق وشاركت بتحكيم جوائز دار سعاد الصباح وأعرف موضوعيتها، وأعمل في مؤسسة تمنح الجوائز، هي مؤسسة جائزة البابطين للإبداع الشعري، وأدرك جيداً مدى موضوعيتها ومصداقيتها، لذلك فإن عدم حصول أحدهم على جائزة لا يعني أن يكيل لها الاتهامات».
ومن الروائي السوري «عدنان فرزات» إلى الروائي المغربي «عبدالواحد استيتو» الذي يرى في مسألة إنصاف لجان التحكيم بأنها نسبية جداً، ويقول إن الأمر أشبه بلعبة كرة القدم. فقرارات الحكم ليست صائبة دائماً، لكن لديه السُّلطة التقديرية التي قد لا ترضي كثيرين. وهذا ما يحدث مع لجان الجوائز.. فهم في آخر المطاف أشخاص لديهم خلفياتهم وآراؤهم وميولهم، وهذه العوامل كلها تؤثر طبعاً في منح الجائزة لهذا أو ذاك. هم يمنحون الجائزة لمن يرون أنه يستحق، والكاتب ليس عليه سوى أن يترشّح وينتظر، فلا يد له في الموضوع إطلاقاً، ولا داعي لأن يحوَّل الأمر لمأساة ومؤامرة إن لم يفز. إنما هي مسألة اختيار من طرف أشخاص لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.
قيمة داعمة للحراك الثقافي
تختلف الآراء بين مؤيدين ومنتقدين للجوائز، لكن في معظمها تؤكد على أهميتها كقيمة داعمة للحراك الثقافي والمنافسة على المزيد من الإبداع والتجديد، وهنا يرى الروائي اليمني «علي المقري» أهمية الجوائز بالنسبة للكُتّاب والقرّاء على السواء، فيقول: إن انتشار الجوائز الأدبية والثقافية في العالم العربي بادرة تستحق الالتفات، فهي مهمّة لجهة تشجيع الكاتب على مواصلة إنتاجه، ومن أجل انتشار الكتاب بشكل أوسع. وهذه المبادرات التشجيعية وجدت في أوروبا منذ قرون، وصاحبت الحركات النهضوية الفنية والأدبية. وفي العالم العربي هناك جوائز تمنحها سلطات الدول، وأخرى تمنح من قبل المؤسّسات التجارية، وبعضها تقوم برعايتها هيئات ثقافية مدعومة من جهات عديدة. طبعاً، لكل جائزة قوانينها وشروطها، وهذا ما هو معمول به في كل الجوائز في العالم. لكن الجوائز عادة ما تخضع للمتابعة والنقد من قِبل الأوساط الثقافية والقراء، لكونها تصبح إحدى الفعاليات الثقافية التي تهم كل المجتمع وليس المؤسسة المانحة للجائزة فقط. ويضيف «المقري»: «يبدو لي أن الجدل الذي يدور حول الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» صحي ومهم، فبسببه صارت الجائزة من أهم الجوائز العربية، إذ لم تكن أبرزها لما تحدثه من حراك ثقافي عربي. فالجائزة تصبح مُراقبة من الأوساط الأدبية والقراء، منذ أن تعلن عن قائمتها الطويلة، بل تكون لجنة التحكيم نفسها محل مساءلة وجدل، ويصبح أي قرار تتخذه اللجنة محل قراءة من القراء الذين لهم رأيهم أيضاً في العمل الذي يستحق الجائزة. ولهذا لم يعُد من السهل لأيِّ جهة مانحة للجوائز أن تعطي الجائزة بحسب هواها الخاص، من دون عمل اعتبار للأوساط الاجتماعية الثقافية. ويُشاركهُ الطرح الروائي المصري «نعيم صبري» الذي أضاف أن جدوى الجوائز يكمن في التشجيع على التنافس الشريف والإجادة بين الأدباء، كما يرى في تباين الأعمال الفائزة بأن الفن في النهاية ذوق شخصي يتأثر بثقافة وذائقة مُحَكّمي الجوائز.
لم تعُد الجوائز الأدبية مجرّد ظاهرة ثقافية مصاحبة لحركة الإبداع الأدبي في عديد البلدان العربية التي تزخر بحركة النشر، وإنما أصبحت صك البراءة النقدية الممنوحة مجاناً في غياب حركة نقدية فاعلة في الصحافة الثقافية وفي المنتديات التي تغيب عن المشهد الثقافي، لتكون احتفالات منح الجوائز البروتوكولية هي البديل عن الملتقيات الثقافية الجادّة!
سالم الهنداوي
تعليقات